بالأمس القريب، تناولت وسائل الإعلام خبر إقدام أحد المواطنين على سرقة صيدليّة في محلّة الكولا في بيروت. وتحت تهديد السلاح، طلب السارق من صاحب الصيدليّة مبلغاً من المال وحفاضات وشامبو للأطفال وأنواعاً محدّدة من الأدوية، مرفقاً طلبه بالقول:

«المصاري بتروح وبتجي. هيك بدّهن بهالبلد». نقلت صورته وسائل الإعلام على الملأ، فيما اختار هو أن يبقي اسمه قيد التفاصيل التي تخصّه هو وحده، شاهراً مذهبه في وجه من يعنيهم الأمر: «ضحيّة الرغيف».

هي تهمة أضيفت إلى ملفّات القضاء، إلى جانب تهم أخرى توزّعت ما بين سرقة أحدهم «سحّارة» حامض من بستان جيرانه، وإقدام آخر على سرقة رأسَي ماعز من مزرعة أقربائه، فيما اكتفت أخرى بسرقة معلّبات من السوبرماركت بما أسعفها في سدّ رمق أبنائها. أمّا السارقون، فعيّنات عن قهر خرج من قيده.

ومن علامات قهرهم: سلطة تجلد مواطنيها، عهد قضى نصف عمره بوعد الإصلاح وجاء في النصف الثاني ليتهم شركاءه بالتآمر عليه، وزراء يندسّون في الحكومة ثم يخرجون لتلاوة الشكوى، ونواب «ينعون» ويرفعون الأيدي ومن ثم يسألون عن المتسبّب بالفساد.

وتكرّ سبحة المشاهد المرتبطة بهذه الظاهرة، والتي لا تخلو من حالات انتحار حرقاً، والتي يستعيد معها زكريا تفاصيل ليلة، حين كان يسير في شارع مظلم في محلّة الحمرا. الشارع كان خالياً إلا من بضع سيارات، حين توقفت درّاجة ناريّة إلى جانبه، قبل أن يقترب منه شخص من الخلف موجّهاً السكين نحوه، مردّداً: «لا تقل أيّ كلمة، لست هنا لأؤذيك، أريد منك أن تعطيني النقود أو أن تأتي معي إلى أيّ محل لتشتري لي بعض الأغراض، تركت أولادي في المنزل يبكون من دون طعام».

وهكذا، فإنّ الجوع لا يميّز لكنّ «الوسيلة» قد تتميّز، إذ لم تعد التهم التي تُسجّل في أقلام المحاكم كلّها سرقات ومصاغ وأموال وسيارات وغيرها من أفعال السرقة التي يعاقب عليها القانون. فمع ازدياد حاجة الناس في ظلّ الظروف الاقتصادية الصعبة، بات يُدرج في أقلام محاضر المحاكم نوع جديد من السرقات، عنوانه «لقمة العيش»، إذ كبرت ظاهرة سرقة المواد الغذائيّة.

ويمكن العثور كلّ يوم على خبر هامشي عن سرقة أب لعلبة حليب لطفله، أو سرقة أمّ لبعض الخُضر لإطعام أطفالها، أو أيّ شيء. أمّا الاحتياطات، فكثيرة، لعلّ أشدّها تطرّفاً اقتناء السلاح الناري، من مسدّسات وبنادق صيد ورشّاشات حربيّة في المنازل، سواء أكان مرخّصاً أم غير مرخّص. ومن الاحتياطات الأخرى الأقلّ تطرّفاً، لكن مع ذلك تحتكرها فئة من الناس، لا سيّما من يحفظون أموالاً ومجوهرات بكمية كبيرة، في منازلهم أو شركاتهم، اقتناء الخزنات.

وتوازياً، تؤكّد إحصاءات قوى الأمن الداخلي ارتفاع معدّلات الجرائم بشكل كبير، وبخاصّة القتل والسرقة، مقارنة بالأعوام الأخيرة. واستهدفت عمليات السرقة في الآونة الأخيرة حليب الأطفال والطعام والأدوية، في حين ذكر أغلب الضحايا أنّ السارقين كانوا يعتذرون منهم بعد القيام بسرقتهم، متعلّلين بأنهم لا يجدون طعاماً لأطفالهم وأنّهم قد فقدوا وظائفهم.

لكن حيال هذا كلّه، ليس لدى الرئيس ميشال عون سوى بضع كلمات: «لبنان يدفع اليوم ثمن تراكم 30 عاماً من سياسات اقتصادية ومالية خاطئة اعتمدت على الاقتصاد الريعي والاستدانة».

فيما بات كلّ ما يحصل في يوميات اللبنانيين أشبه بالكذب، والآتي أعظم بقرارات حكومية مرتقبة ومشاريع مؤجّلة منذ عقود عن رفع الدعم عن المحروقات والخبز وغيرها، إذ لا شفاء من الأزمة الحالية، التي تتجسّد فيها لوحات الانهيار والإفلاس والأزمات، ولو أنّ خططاً وهميّة يتمّ الإعداد لها. ويبقى أنّ لدى اللبنانيين ألف سبب لعدم الثقة بسلطة لم تستطع أن تبني لها رصيداً لديهم، وألف سبب لفهم وتطبيق المثل الإنجليزي القائل: «الرجل الجوعان رجل غضبان».