خلقت الثورة السودانية التي اقتلعت نظام الرئيس عمر البشير، واقعاً جديداً بدأت ملامحه تتشكل في البلاد، ولم يكن شعار السلمية الذي رفعه المحتجون في أول تظاهرة ضد النظام المخلوع إلا خطوة أولى لتحول يسعى السودانيون لإحداثه في مواجهة الأنظمة الديكتاتورية، ووسيلة لنيل الحقوق والمطالب بدلاً عن البندقية، وذلك رغم آلة البطش التي كان يستخدمها نظام المخلوع البشير ضد شباب الثورة.
ولم يكن أكثر المتفائلين يتوقع أن تتسارع الأيام ويخرج أهالي إقليم دارفور الذين اضطرتهم سياسات النظام المخلوع لرفع السلاح من أجل حماية حقهم في الحياة، وها هي محلية غرب جبل مرة بوسط دارفور تخرج في اعتصام مفتوح بحاضرتها مدينة (نيرتتي)، عنوانه السلمية في نيل المطالب، وشعاره حرية وسلام وعدالة، لتوحد كل السودان على ذات الشعار رغم محاولات الفرقة التي عمل عليها نظام الإخوان طوال الثلاثة عقود الماضية.
يدخل اليوم اعتصام أهالي نيرتتي يومه الثامن، ليصل صوت المعتصمين إلى شارع النيل بالخرطوم، حيث مقرات حكومة المركز (القصر الرئاسي ومجلس الوزراء)، وما كان لصوتهم أن يصل لولا سلمية الحراك، ومشروعية مطالبه، ولم تتوانى الحكومة الانتقالية في الإنصات للصوت القادم أقصى جبل مرة، فأرسلت أمس وفدا رفيعا يقوده عضو مجلس السيادة محمد حسن التعايشي وعدد من الوزراء وقادة القوات النظامية، بغرض الوقوف على الواقع وسماع مطالب المعتصمين.
ويؤكد وزير الإعلام المتحدث باسم الحكومة فيصل محمد صالح، أن الحكومة تنظر إلى السلوك الحضاري الذي انتهجه مواطني المنطقة والمتمثل في الاعتصام السلمي كوسيلة لتحقيق المطالب بكثير من التقدير والإعجاب، وقال في إن ذلك يعكس مدى الوعى الذي أحدثته ثورة ديسمبر في نفوس السودانيين، ولفت إلى أن اختيار أهالي المنطقة لهذا السلوك في الاحتجاج فيه تقدم كبير ودلالة على ارتفاع الوعى السياسي والاجتماعي عند الناس.
تقول رابطة الإعلاميين بإقليم دارفور في بيان لها إن أهالي غرب جبل مرة اختاروا الاعتصام كوسيلة نضالية مجربة للمطالبة بالحقوق العادلة والمشروعة، ونقلوا بذلك مناطق النزاع إلى الميدان السلمي الديمقراطي والتعبير السلمي، الذي يعبر عن وعي عالٍ بالحقوق، وهو حق كفله الدستور والقانون، وتتمثل أبرز مطالب المعتصمين في إعفاء كل مديري وقيادات الأجهزة الأمنية بالمحلية، وتوفير الأمن ونزع سلاح الميليشيات .
ويرى الباحث السياسي السوداني محمد علي فزاري في حديث لـ«البيان» أن اعتصام القيادة العامة كان ملهماً للشعب السوداني، ولم يفض من عقول السودانيين، لافتاً إلى أن ما يحدث في منطقة نيرتتي هو تحويل الاعتصام لمكان آخر وهو إقليم دارفور الذي يشهد مطالب مشروعة رفعها المعتصمون في غرب جبل مرة.
