خطاب السيسي..رسائل قوية في مواجهة الأطماع التركية في المنطقة

تؤسس الرسائل التي بعث بها الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، السبت، لدى تفقده المنطقة الغربية العسكرية في سيدي براني، قرب الحدود الليبية، لنقطة تحوّل مرتقبة في الصراع في المنطقة بشكل عام، وهي الرسائل التي حظت بدعم من القوى المؤثرة والفاعلة في العالم العربي، بهدف حل الأزمة الليبية، ومواجهة الأطماع التركية بشكل عام.

رسمت مصر الخطوط الحمراء لتركيا في ليبيا، وحذّرت من مغبة تجاوز تلك الخطوط، الممثلة في سرت والجفرة، في رسائل شديدة اللهجة حظت بدعمٍ ليبي شعبي وسياسي واسع انطلقت فيها القاهرة من أساس الشرعية الدولية ومبادئ وأحكام القانون الدولي الخاصة بالدفاع عن الأمن القومي.

ومن ثمّ، فإن الفترة المقبلة سوف تكون حبلى بالتطورات السياسية والأمنيّة، بما يفضح سلسلة التجاوزات التركية لقرارات الشرعية الدولية بخصوص ليبيا، وبما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليته أمام تلك الانتهاكات الصريحة.

خط أحمر

الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، الدكتور زياد عقل، يقول لـ«البيان»: «السيسي، ارتأى أنه من المهم إرسال رسالة شديدة اللهجة تدل على هذا الرفض، وتدل على أن هناك تحركاً مصرياً لدعم الجيش الليبي من خلال عناصر جديدة»، مشيراً إلى تصريحات الرئيس المصري بخصوص «تدريب وتجهيز القبائل الليبية»، وهو الأمر الذي عدّه «محاولة مصرية لإعادة بناء تحالفات جديدة داعمة للشرعية الليبية».

التصريح المصري المباشر بأن هناك خطاً أحمر «لا يمكن تجاوزه أو عبوره» ممثلاً في سرت «شكّل أيضاً رسالة ترهيب واضحة»، ذلك أن عبور ذلك الخط الأحمر من شأنه فتح الباب أمام تواجد القوات التركية في شرق ليبيا، والتي تبعد عن مصر كيلومترات قليلة (نحو 2500 كم عن الحدود المصرية).

مدير مركز الأمة الليبية، الدكتور محمد الأسمر، يقول لـ«البيان»، إن «ما عبر عنه الرئيس المصري كان نقطة تحول في الصراع في المنطقة بأكملها وليس في الملف الليبي فقط؛ ذلك بعد الخطر الذي يعبر عنه الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، والذي قال في يونيو الماضي إنهم سيقاتلون من أجل المصالح التركية في المنطقة، وقال الشهر الماضي إنهم يكافحون من أجل تركيا الكبرى من البلقان للبحر المتوسط».

وبعد أن وصلت قوات الوفاق وتركيا إلى سرت أصبحت الآن المسألة تخص «عمق الأمن القومي المصري؛ لأنه لو دخلت القوات إلى سرت، ستتراجع قوات الجيش الوطني الليبي إلى منطقة الوادي الأحمر باتجاه اجدابيا، وستكون مصر في مرمى نيران الأتراك والإخوان.

ويشير الأسمر، في تصريحات لـ«البيان» إلى أن «السيسي أسس رسائله على عدد من النقاط المهمة؛ أولها أن مصر أصبحت لها الشرعية الدولية للقيام بتعاون عسكري ودعم في الملف الليبي، على اعتبار أن قرارات الشرعية الدولية تم خرقها بالكامل، وبرخصة أن تلك القوى المضادة (ممثلة في تركيا وحلفائها) بهذا الشكل سيتم التعامل معها لإنهاء هذه الخروقات المضادة لقرارات مجلس الأمن».

ويلفت الأسمر إلى أن السيسي «تحدث عن قومية المعركة، وقال إنها تخص الأمن القومي العربي وليس الليبي والمصري فقط؛ نظراً لأن القوى المضادة يعملون من أجل مشاريعهم الخاصة في المنطقة واستعادة أمجادهم القديمة، ومن ثم جاءت ردود الأفعال العربية الداعمة للموقف المصري».

ويُنظر لتلك المواقف العربية - التي لم تتأخر كثيراً فور إعلان القاهرة عن موقفها القوي - بأنها حجر الزاوية، من أجل صون وحماية الأمن القومي العربي، في مواجهة الانتهاكات والتجاوزات والأطماع التركية.

وحول الخيارات أو السيناريوهات التي من المتوقع أن تلجأ إليها تركيا بعد الموقف المصري، توقع مدير مركز الأمة الليبي للدراسات، في معرض حديثه مع «البيان» أن تقوم تركيا - بالقياس بما فعلته طيلة الفترات الأخيرة - باختبار الموقف المصري، وذلك من خلال التصعيد والمواجهة المباشرة مع مصر، كما فعلت من قبل مع قرارات مجلس الأمن، لاسيما أن تركيا في ليبيا اعتادت أن تأخذ بزمام الأمور وتنتظر ردة فعل باقي الأطراف، وبالتالي سيصرون على الدخول إلى سرت ويختبرون بشكل عملي أقصى حالات ردود الفعل المصرية ويقيسون عليها توجههم في الفترة المقبلة.

 

القانون الدولي

أستاذ القانون الدولي والمحلل السياسي الليبي، الدكتور محمد الزبيدي، يقول إن الموقف المصري متسق تماماً مع القانون الدولي، وفق المادة 52 من ميثاق الأمم المتحدة، والتعديلات الخاصة بقواعد القانون الدولي في التسعينيات والألفية، والمرتبطة بحق التدخل لحماية الأمن القومي، مشدداً على أن الأصوات التي تنادي باحتفاظ مصر فقط بالمساحة القانونية (1200 كم) للدفاع عن حدودها مردود عليها بأن النيران المشتعلة في ليبيا وانتشار المجاميع الإرهابية تشكل خطراً حقيقياً على مصر.

 وبالتالي فدور القاهرة مبرر وفق مبادئ القانون الدولي التي تتحدث عن حق التدخل لحماية الأمن القومي، وإلا لماذا تتدخل تركيا نفسها في سوريا والعراق وغيرهما، وقبلها دول عديدة كانت لها أدوار خارجية لحماية أمنها القومي؟! فهذه قاعدة واضحة معمول بها في القانون الدولي.

علاوة على أن هناك ترحيباً من البرلمان الليبي والقبائل الليبية المؤيدة للدور المصري في ليبيا، وهو ما نراه بشكل واضح من خلال ردود الأفعال على كلمة الرئيس المصري الأخيرة، الذي يبدي احتراماً لليبيين وليس لدى بلاده أي أطماع في ليبيا، على عكس أردوغان الذي يتحدى الليبيين بشكل سافر.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات