الضم الإسرائيلي المرتقب لأجزاء من أراضي الضفة الفلسطينية لا يقع خارج الخط المرسوم منذ انطلاق المخطط الصهيوني الذي يرى في فلسطين كلها نواة لمخطط يمتد من «النيل إلى الفرات»، على المدى الاستراتيجي.

أما الخطوات التكتيكية في إطار هذا المسار فهي تحتكم لموازين القوى ومدى هضم «المجتمع الدولي» تدريجياً ما يجري على الأرض.

مخطط بنسخته المحدّثة والذي يتزامن مع وجود بنيامين نتانياهو في سدة الحكم، موجود ضمناً في كتاب نتانياهو نفسه لعام 1996 بعنوان «مكان تحت الشمس»، وفيه يقول بوقاحة إن «إسرائيل» أعطت العرب أكثر مما ورد في القرار الدولي «242»، عندما انسحبت من شبه جزيرة سيناء، باعتبارها تشكل من حيث المساحة الغالبية الساحقة من الأرض التي يدعو القرار «إسرائيل» للانسحاب منها عبر صيغة فضفاضة انتزعت أل التعريف من كلمة «الأراضي» التي «احتُلت في النزاع الأخير (1967)»، واستبدلتها بكلمة «أراضٍ».

أصلاً محتلة

قد يقول قائل إن الضفة أصلاً محتلة، فما الذي يضيفه قرار الضم؟ من الناحية الفعلية هذا صحيح إلى حد ما بل إلى حد كبير، ولكن لا يعني أن الوضع سيكون هو ذاته بعد وقبل الضم. فالأراضي التي يشملها الضم، وهي التجمعات الاستيطانية ومنطقة الأغوار المحاذية لنهر الأردن، ستصبح بعد قرار الضم رسمياً جزءاً مما تسمى السيادة الإسرائيلية.

صحيح أن هذا الوضع لا يحظى دولياً سوى بغطاء أمريكي، ولكن واشنطن لها تأثير كبير في مروحة واسعة من الحلفاء.

وجدير بالتذكير هنا أن قرار الضم ينتهك المادة 31 من اتفاقية أوسلو التي وقّعها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين، في البيت الأبيض في سبتمبر 1993.

حتى من وجهة نظر أولئك الذين يتحدثون عن «عملية التسوية والسلام وحل الدولتين»، سيكون الضم قتلاً لهذا الكلام ولن يبقي لهم مبرراً لترديده، إذ إن القطع المتمزّقة مما سيتبقى من أراضي الضفة لا تصلح لا لدولة فلسطينية ولا لكيان أقل شأناً.

وبالتالي سيكون الفلسطينيون في هذه القطع الممزقة أمام خيارين: إما القبول بأن تحكمهم سلطة خدمية لا تتجاوز صلاحياتها التعليم والصحة وجمع النفايات وإجراء فحوص كورونا، وإما أن يتبعوا للأردن، ضمن مخطط إسرائيلي سمي في السبعينيات «الخيار الأردني».

خيار مرفوض

ولكن «الخيار الأردني» مرفوض من جانب المملكة لأسباب عديدة، وعند ذاك ستصبح الخطوات اللاحقة رهناً بموازين القوى اللاحقة، وإذا وجدت إسرائيل الفرصة مواتية، ستفرض من جانب واحد النسخة الأشد تطرّفاً من «الخيار الأردني»، وهي «الوطن البديل»، أي ترحيل فلسطينيي الضفة إلى الأردن على طريقة «النكبة».

هل تطابق حسابات البيدر حسابات الحقل؟ هذا ما ستجيب عنه المرحلة المقبلة، ولكن يمكن توقّع الإجابة بالنفي.

فما تخطط له إسرائيل ليس «قدراً لا يُرد»، بل إن ثمّة عوامل عديدة تحول دون نجاحه، وعلى رأسها الشعب الفلسطيني نفسه، الذي سيفرض على قواه السياسية أن تتوحّد أو يلفظها، كما أن الفلسطينيين - أياً كانت ظروف المرحلة صعبة - ليسوا جزيرة معزولة، بل جزء من منطقة حُبلى بالإمكانات والمفاجآت.