يدخل قانون العقوبات الأمريكي المعروف باسم قيصر حيز التنفيذ ليشكل آخر خطوات واشنطن في تعاملها مع الملف السوري.

صحيح أن مضامين هذا القانون تمثّل العقوبات الأكثر قساوة على سوريا وبخاصة على جبهة الاقتصاد وبالتزامن مع جائحة كورونا، إلا أن فرص هذا القانون في إحداث تغيير في النظام السياسي السوري تتأرجح بين مراهنين على قدرته في إحداث مثل هذا التغيير بدرجة أو بأخرى، ومتوقّعين عجزه عن تحقيق ما فشلت الوسائل العسكرية في تحقيقه، وبينهم من يتوقّع عرقلة لعملية إعادة الإعمار.

من الطبيعي أن يظهر في المحور المؤيد لهذا القانون من يراهن على مفاعيل هذه القفزة النوعية في استخدام السلاح الاقتصادي الذي لم يكن غائباً على أية حال خلال مسار الحرب، وقد يجد هذا المحور من الدلائل ما يصب في خانة مراهناته، لكن الرأي المضاد يرى في هذه المراهنات الكثير من الرغبة والقليل من الأدلة التي تدعمها في ظل خريطة الصراع على الأرض طيلة السنوات السابقة، ويحاجج بأنه في هكذا قضايا ينبغي الاحتكام للمعادلات الموضوعية وليس للرغبة الذاتية، إذ إن المراهنات حلّقت عالياً منذ بدايات الأزمة، وبقيت بعيدة عن أرض الواقع.

تسريب كيري

في الأول من أكتوبر 2006، نشرت صحف أمريكية تسجيلاً صوتياً مسرّباً لوزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري تحدّث فيه لمعارضين سوريين عن رؤيته للأزمة، وأهم ما جاء في كلامه أن التدخّل العسكري الأمريكي في سوريا غير ممكن بسبب روسيا، وطالب المعارضة حينها بالمشاركة في انتخابات يشارك فيها الرئيس السوري بشار الأسد.

وثمّة وقائع كثيرة أخرى تشير على أن الولايات المتحدة أدركت منذ بداية الأزمة أن الخيار العسكري غير قابل للتنفيذ، وأنه قد يدفع إلى صدام مع روسيا غير محمود العواقب، فضلاً عن أنه لا يحظ بغطاء دولي، وهو الأمر الذي أشار إليه كيري أيضاً.

الآن، ربما تجد واشنطن في تفعيل سلاح العقوبات وتشديده وسيلة ليس لإسقاط الحكم في دمشق، إنما لدفعه للقبول بحل سياسي غير مبني على انتصاراته الميدانية، وأن يكون لحلفائها وجود فاعل في النظام السياسي.

فهل تنجح في تحقيق هذا الهدف؟.

سلاح العقوبات

ثمّة شواهد في التاريخ تؤكد أن سلاح العقوبات يمكنه أن ينهك أنظمة سياسية بدرجات متفاوتة تعتمد على صلابة هذه الأنظمة ومتانة تحالفاتها، لكنّ لا يمكنه أن يسقطها.

وقد تصلح كوبا، الجزيرة الصغيرة الواقعة على مرمى حجر من الولايات المتحدة، مثالاً للمقارنة، حيث استمرت العقوبات الأمريكية والغربية المفروضة عليها عقوداً، لكن هذه العقوبات لم تستطع أن تغيّر النظام السياسي فيها.

حتى نظام معمّر القذافي الذي جرى تصوير الشعب الليبي على أنه ضده، ورغم انقسام الجيش وتفكّكه، إلا أن النظام لم يسقط إلا بعد تدخّل القوة النارية الهائلة.

وفي حالة سوريا، ينبغي عدم تجاهل وجود حلفاء لها على رأسهم روسيا، وهؤلاء تدخّلوا فيها وإلى جانبها بالمال والسلاح والدم، ولا يمكن تصوّر أنهم يمكن أن يفرّطوا بمكتسبات تحققت في تسع سنوات.

وحتى لو افترضنا جدلاً أن الضغط الأمريكي سيوصل إلى حالة تهدّد النظام السياسي بدمشق، فإن من المؤكد أن دمشق ومن معها سيلجؤون إلى اللعب بأوراق خطيرة جداً على مستوى المنطقة.