لا شك أن هناك قصص نجاح خرجت من رحم المعاناة، والمثال اليمنية إشراق، 44 عاماً، التي تحملت إعالةَ أسرة وأطفال، متحدیة الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي أجبرت الكثیر من الرجال على فقْد أعمالھم الیومیة، وقررت البحث عن الرزق، وإن كان شحیحاً، حيث بدأت تعديل الملابس من منزلها المتواضع، حتى باتت اليوم تدير معملاً كاملاً للخياطة.
تزوجت إشراق قبل 20 عاماً من أحد أقربائها، الذي كان يعمل في إحدى المطابع في صنعاء، رزقت منه ثلاثة أولاد ذكور، وكانوا يسكنون أحد البيوت الشعبية المتواضعة، في أحد أحياء المدينة، إذ إن الأجر الذي يعمل به زوجها متواضع، ورغم صعوبة الوضع وقساوته، إلا أنهم كانوا قادرين على توفير احتياجاتهم اليومية، إلى ما قبل الاجتياح الحوثي للعاصمة.
عقب الانقلاب، زادت الأمور تعقيداً، فقد أقدم الحوثي على إغلاق العديد من المطابع لأسباب أمنية، وشددت الخناق على المتبقي مع اندلاع الحرب، إذ كان لديها من الأتباع والموالين من يمتلكون قطاعاً واسعاً من المطابع، فتم الاستغناء عن زوجها، ضمن مجاميع من العمال فقدوا أعمالهم، نتيجة تدني دخل المطبعة.
ولأن الحوثيين تعاملوا مع موارد الدولة على أنها غنائم، ووجهوا كل شيء لصالح مجهودهم الحربي، واقتصرت أعمال التجارة وغيرها على الموالين لها، أو التجار الذين يعملون معها، فقد سدت الآفاق أمام زوجها في الحصول على فرصة عمل، وعاشوا لشهور معتمدين على الأقارب والأصدقاء والاستدانة.
في أحد الأيام، اقترحت عليها إحدى صديقاتها الالتحاق معها في مركز لتعليم التطريز والخياطة، كي يواجها معاً متطلبات المعيشة اليومية، تحدثت إشراق إلى زوجها، ووافقها وشجعها، بل واستدان لها مبلغ التسجيل من أجل الالتحاق في المركز.
هناك تلقت إشراق تدريباً مكثفاً لأشهر، وكان مشروع تخرجها فستان زفاف، ورغم سعادتها، إلا أنها كانت تشعر أن النجاح سيكون صعباً، اجتهدت حتى تحصد المركز الأول، وكرمت نظير إنجازها مشروع تخرجها، وتحصلت على مكافأة مالية لحصولها على المركز الأول.
كان أحد المدربين في المركز يمتلك معملاً للخياطة، فعرض عليها العمل لديه، فوافقت، وكان ذلك بداية لطريق النجاح الطويل، استمرت في العمل لديه لمدة عام،
ثم نتقلت إشراق إلى المرحلة التالية، وبدأت العمل من منزلها، الذي يقع وسط حي مكتظ بالسكان، وأصبح أغلبيته يعرفونها أو يسمعون بها، ولهذا، كان العديد من الزبائن يأتون إلى المنزل، إما لتعديل ملابس أو تطريز أو خياطة، ومع إتقانها لعملها، زاد الإقبال عليها، وعرف الناس أنها تضع أسعاراً تقل بكثير عن بقية المحلات.
تجاوزت إشراق المرحلة الثانوية، وبدأت التفكير في فتح معمل مستقل للخياطة، فذهبت إلى إحدى صديقاتها التي درست معها، واتفقا على استئجار بدروم متواضع، بسعر بسيط في إحدى العمارات المجاورة، وقاما أيضاً بشراء ثلاث مكائن خياطة بالتقسيط، وبدأ العمل في هذا المعمل، الذي يعكس القدرة على تحدي الصعاب.
وتدير إشراق اليوم معملاً للخياطة، ويأتي إليها تجار جملة الأقمشة، وتقوم بخياطة الزي المدرسي، وتغيرت حياة الأسرة بكاملها إلى الأفضل.
