في سراديب مظلمة تحت الأرض، تعلوها أنابيب مياه عادمة، وأضواء خافتة، تتوزع غرف صغيرة، جدرانها متعفنة، بداخلها دورة مياه قذرة، وسرير صغير ملاصق لها، تطلق عليها إدارة مصلحة السجون اسم زنازين العزل الانفرادي، فيما يسميها الفلسطينيون مقابر الأحياء، لقساوتها، هنا يضرب الأسير المقدسي الصحافي محمود موسى عيسى (52 عاماً)، أروع قصص الإرادة التي لا تقهر، بعد أن أمضى بداخلها 13 عاماً من سنوات اعتقاله.

عملية وفاء

اتهم عيسى بالمشاركة في واحدة من أشهر العمليات التي نفذتها المقاومة الفلسطينية، وفاءً للشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة حماس، وكان حينذاك معتقلاً في سجون الاحتلال، تم خلالها اختطاف أحد الجنود الإسرائيليين في أواخر عام 1992، وطالب الفدائيون سلطات الاحتلال، في حينه، بالإفراج عن الشيخ ياسين مقابل إطلاق سراح الجندي، إلا أن حكومة الاحتلال لم تستجب لمطلبهم، فقام الفدائيون بقتل الجندي المختطف.

وإثر ذلك، اعتقل محمود وأفراد مجموعته في عام 1993، من منزله الكائن في قرية عناتا القريبة من القدس المحتلة، وكان يعمل حينها مديراً لمكتب جريدة «صوت الحق والحرية» في القدس، وحكم عليه بالسجن المؤبد مدى الحياة ثلاث مرات، إضافة إلى 46 عاماً، قضى منها 27 عاماً، ليصبح واحداً من الأسرى القدامى الذين اعتقلوا قبل توقيع اتفاقية أوسلو.

انتقام

ومنذ اللحظات الأولى لاعتقاله، أمرت محكمة الاحتلال بإغلاق منزل ذويه، انتقاماً منهم، وتوفي والده بعد اعتقاله بعامين، وظلت والدته محرومة من زيارته، حتى أنهى سنوات عزله الانفرادي.

وتستذكر والدته الثمانينية، أم محمد، تفاصيل زيارتها الأولى لفلذة كبدها في عام 2013، بعدما أنهى فترة عزله الانفرادي، وقد غزا الشيب رأسه، وتغيرت ملامح وجهه، وتقول للبيان «تمنيت أن أحتضنه وأضمه إلى صدري، وأشم رائحته، فليس هناك حنين واشتياق يعادل اشتياق أم لولدها الأسير».

طال غياب محمود، وزاد الشوق في قلب أمه، التي أنهكها المرض، ولم تعد قادرة على مشقة زيارة السجون، تنام وتستيقظ، وهي تحتضن صورته، وتتضرع إلى الله أن يمن على ولدها بالإفراج، قبل أن تفارق الحياة.