قصة

جوريّة.. أحلام طفولة معلّقة على حِبال الخيمة

في مساحة ضيّقة، تضجّ ببقايا الكرتون والبلاستيك والأحذية القديمة، تنشغل الطفلة جوريّة العلي بترقيع ما تشوّه في تفاصيل دميتها المفضّلة، راسمةً خطّاً فاصلاً ما بين واقع حياتها في مخيّم للنازحين السوريّين هنا، وتحديداً على مقربة من الحدود اللبنانيّة- السوريّة في البقاع الشمالي، وبين تطلّعها إلى أن تصبح طبيبة أطفال هناك «حتى ما يبقى حدا منّن موجوع»، وتحديداً في بلدتها «تل فريجي»- ريف إدلب.

هي طفلة على عتبة ربيعها السابع.

لم يُقيّض لها يوماً أن تعرف شيئاً عن أسباب «غربتها» هنا، حيث المخيّم أرض منفى، ولم تشغِل بالها بالحرب الممتدة منذ 9 سنوات في بلدها هناك، وما أنتجته من صور الموت والمعاناة هنا وهناك، إذ جلّ ما يعنيها هو قبر أمّها دلال، الذي لم تزره يوماً، وهي تحلم بأن تضع الورود عليه، وهي بالكاد تتذكّر ملامحها، فـ«أنا كنت صغيرة، عمري سنة ونصّ وقت طِلعت روحها عالسما».. عبارة تقولها بحزنٍ عميق وخجلٍ طفوليّ، وتنصت باهتمام لافت إلى حديث والدها عن «المعاناة المستورة» خلف الباب المغلق للخيمة، وعن حتميّة العودة إلى ما تبقّى من حطام في ضيعته، ومنها منزله المشيّد من «الحجر القديم الغشيم».

وفي الواقع، هي ما زالت تجهل تماماً صورة غدها، بتفاصيله كلّها. أمّا تفاصيل يومها، فتبدأ وتنتهي في إطار محدّد بالأمتار.

مساحة محدودة

48 متراً مربّعاً، هي المساحة الممنوحة لعائلتها بالحياة. لم تنقصْ ولم تزِد. وكأنّ لهذه الخيمة، المدعّمة بألواح من الخشب الهشّ، والجاثمة على أكوام من ضيق الحال والأحلام المؤجّلة، ثوباً خيط على مقاس واحد، أو كأنّها تنام وتنهض في ثوبها، لا تبدّله خوفاً من أن يضيق على من يقطنونها أثناء أحلامهم.

وداخل هذه المساحة، المقسّمة إلى ثلاثة أقسام (2 للمنامة، ومطبخ ومكان للاستحمام ومنْشر للغسيل)، تتداخل الحياة اليوميّة لأفراد عائلتها المكوّنة من 14 شخصاً: والدها وزوجته، هي وأختها نور (10 أعوام)، وأخوتها الأربعة، مع زوجات وأطفال المتزوّجين منهم.

وفي المحصّلة، فإنّ الخشب المهترئ لا يرفع خيمة، والنايلون ليس غطاءً يمنع تسرّب المياه. هم نازحون، كلّ وقودهم انتظار وأمل بالعودة قبل أن تصدأ مفاتيح البيوت وتهرم الوجوه والنفوس.

أمل، مرتبط عند صغيرة العائلة بعدم رغبتها في البقاء هنا، وقد وجدت تفسيراً له من خلال «شتلات النعناع» المزروعة أمام باب الخيمة، تاركةً لمخيّلتها الرهان على نموّها تزامناً مع عودة الحياة في بلد دمّرت معالمه.

ترفع يديها الصغيرتين باتجاه السماء، طالبةً من الله وحده أن يحقّق أمنيتها، في هذا الشهر الفضيل، و«متل ما عمْ يكبروا هالنعنعات، ما يضلَ في حرب بسوريا».. ابتسامة تنمّ عن ذكاء لافت، إذ لا مجال هنا لمن «يخنق» طفولتها بأسئلة ملغومة، لا تفهمها ولا تخصّ عالمها.

جولةً صامتةً في الأرجاء تكفي. في عيون الشبّان أسئلة كثيرة ممزوجة بكثير من القلق. صبية يلعبون حفاةً، بكرةٍ تشبههم.

تتراكم مطالب الصغار بلعبة وكتاب وثوب عيد، ويرنو الكبار لستْر ولقمة عيش: صورة تحتاج إلى إضاءة هنا، أخرى تحتاج إلى زاوية، وثالثة تحتاج إلى فضاء.. ويبقى حلم جوريّة، بالعودة إلى بلدها، رهن الانتظار الموجع.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات