عطا شنان.. حجْر أوله مرارة وآخره حلاوة

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

لم يأتِ «كورونا» للفلسطيني عطا شنّان بجديد عن التباعد الاجتماعي، كسلاح وقائي في وجه الوباء اللئيم، ذلك أن هذا الموظّف السابق قذفت به ظروف قاسية في أتون العمل بمصنع في الداخل المحتل عام 1948، كما شرح في تواصل معه عبر منصة إلكترونية.

قبل جائحة «كورونا»، كان عليه أن يوازن بين وظيفة أقرب على عش الأسرة مع خبز أقل وفيه مرارة، وبين عمل يُبعده عن العش مع خبز أكثر لكن أشد مرارة. بعد الجائحة، بقيت تبدل طرفا المعادلة.

كان يعلم أن ما هو قادم ليس سهلاً عليه كما آلاف العمال الفلسطينيين. لكنه اضطر لمواصلة العمل والغياب فترة طويلة وتحدي خطر محدق مصدره فيروس خبيث الترصّد. يصف عطا لحظة فارقة كان عليه فيها أن يجد خياراً بين أحلا الأمرّين. فـ «رغم القلق وألم مفارقة الأهل والأسرة، قررت الذهاب في هذا الاتجاه.. إنها لقمة العيش.. عليّ أن أغامر بالذهاب للعمل والنوم هناك، حتى ألبي احتياجات أسرتي».

لكن الخيارات المرّة بالنسبة للفلسطيني مركّبة على أسنان دولاب لا يتوقّف، كما الفيروس اللعين الذي لا يعترف بالحدود.

لقد زاد انتشاراً وصاحبته حملات إعلامية تبعث على الأرق الذي يتحوّر هلعاً بالنسبة لشخص بعيد عن دفء الأسرة. الهاتف ليس حلاً.. يمزج بين قلق يترسّب في عمق العاطفة، وطمأنة تطفو على سطح الواجب ولزوم شدشدة الإرادات.

وكان الحسم سيد الموقف بقرار من الحكومة الفلسطينية: كل عمال الداخل يجب أن يعودوا إلى مدنهم وقراهم ومخيماتهم. وليس أمامك في هذه الحالة سوى الامتثال لقرار فيه حياة لك ولأحبائك.

عودة محسوبة

يعرف عطا أن العودة للبيت مباشرة فيها هدم لنسيج الخيارات كلّها لصالح عاطفة ساخنة قد تودي بالمحب والمحبوب. طريق العودة تفرض المرور عبر حاجز للاحتلال، ومنه يمر المئات أو الآلاف، ومنه يمر كذلك مكمن الخطر الوبائي. إذن، لا عودة للمنزل قبل حجر أقله أربعة عشر يوماً، والمكان موجود فكل الأشقاء لهم بيوت، وبيت الأبوين قائم. وثمّة بيت لعديله الشهيد حسن أبو الحاج، يمكن تفريغه لعائد ملغّم باحتمالات الخطر.

امتشق عطا سلاح الوقاية، كمامة وقفازات وعلبة معقّم، عائداً إلى قريته كوبر الجالسة على ربوة لا يعكر صفو أجوائها سوى منازل القرميد البلفورية المرشوقة على أرض مسروقة من القرية وجاراتها. جاء صديق بسيارته الشخصية مع علم مسبق بأن سيارته ستدخل نفق الحجر حُكماً لا استئناف عليه، لأن الفيروس لا يميّز بين أحياء وجماد.

عند المعبر

عند المعبر كانت هناك لجنة خاصة تعطي التعليمات حول مسار الوقاية. وعند حاجز الأمن الفلسطيني كان طاقم طبي يقوم بما يجب عليه فعله.

وفي المنزل بدأ مسلسل جديد من 14 حلقة اسمه الحجر المنزلي كتبه «كورونا» وأخرجته إرادة الحياة. يقول عطا: «كانت زوجتي قد جهّزت كل احتياجاتي من ملابس وأدوات شخصية وتعقيم وكتب للقراءة». وصل عطا المنزل دون أن يلتقي زوجته وطفليه. لكنه كان يعرف أن بإمكانه رؤيتهم «عن بعد».

منزل الشهيد حسن يبعد عن منزلنا قرابة المئة متر. وعبر النافذة، أتيح لعطا أن يكحّل عينيه برؤية زوجته وطفليه بين الحين والآخر. يقول عطا: «شام، ابنة الأعوام الستة، كانت تعي تماماً لماذا يقبع والدها في تلك الدار القريبة البعيدة، أما حسن ابن الثلاثة أعوام، فإنه لم يدرك ما الذي يجري. لم يكن يعرف أن عيني والده ترقبانه من بعيد كلما لاح طيفه».

حياة الحجْر

الحياة في فترة «الحجْر» لم تكن صعبة رغم البعد النسبي عن أعز الناس. لكن الوقت يمكن تطويعه.. رياضة صباحية، ونهار حافل بالإنترنت ومطالعة روايات.. وفحص يومي يقوم به مختصان من الأطقم الطبية.

ماذا عن الطعام؟ يشرح عطا «كانت زوجتي تخبرني عبر الهاتف، ثم تأتي بالطعام وتضعه قرب الباب.. هي تغادر وأنا أذهب لإحضاره. كل الأواني المستخدمة بلاستيكية، ألقي بها في كيس النفايات، فلا يعود شيء إلى منزل الأسرة».

ولأن عقرب الزمن لا يوقفه شيء، مرت الأيام الأربعة عشر.. وأصبح بإمكاني أن ألاعب طفليّ وأحتضنهما بضمير راضٍ ونفس مرتاحة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات