الثمانينية هدى.. هجرة على أمل العودة

لم يكن صعباً على الثمانينية هدى عبد الرحمن، أن تستحضر ذاكرتها الحديدية من صور جميلة لحلول شهر رمضان في بلدتها «هربيا» قبل النكبة عام 1948.

وتقول: «كان شهر رمضان أيام البلاد من أجمل أشهر السنة، كنا نأكل كلنا من صحن واحد، وكان صحن الطبيخ يروح لكل الجيران، كان عددنا القليل بس كانت البركة كبيرة».

يقودنا الحوار مع الحاجة هدى إلى الرجوع 72 عاماً إلى الوراء، فهي شاهد عيان على أحداث النكبة بخصوبة ذاكرتها ووصفها المفصل على أحداث النكبة الأليمة عام 1948، وعلى الرغم من مرور الزمن لكن ذاكرتها مكتنزة بالذكريات القديمة التي رافقت طفولتها الحزينة جراء نزوحها عن عن مسقط رأسها في قرية هربيا منذ أكثر من سبعين عاماً.

لم تنسَ شيئاً وهي تسرد تفاصيل أحداث النكبة وضراوة الحرب وويلات الهجرة، بل كانت تركز على كل كبيرة وصغيرة كشاهدة على تفاصيل الجريمة بتفاصيلها.

من الذاكرة

تجلس في بيتها في حي الصفطاوي شمال قطاع غزة، وقلبها عالق في قرية هربيا، فهناك مسقط رأسها، وبيتها الأول الذي غادرته عنوة برفقة أهلها تحت وقع القصف وإطلاق النار الإسرائيلي.

أكثر ما يستوطن ذاكرة الحاجة هدى، وقوع عدد كبير من الشهداء في ذلك الوقت، وتقول بحسرة «كنت في الـ 14 من عمري، ولكني أتذكر جيداً ما كنت أسمعه عن المواجهات التي خاضتها عصابات الصهاينة وأعوانهم ضد الفلسطينيين». وتشير: «سقط عدد كبير من الشهداء، بكيت بخوف وبكت أمي بحرقة، وخرج الجميع إلى الشوارع لإعلان الحداد على الشهداء».

تقول: «كنا نتناقل الأخبار، كما ترويها الإذاعة عبر الراديو الموجود في قهوة القرية، وعندما بدأ القتال واشتدت المعركة قام والدي بنقلنا إلى ملجأ أعده مع بداية المعركة في القرى المجاورة، وذلك لحمايتنا من الاستهداف والتفجيرات».

وتصيف: «تفاجأنا عندما بتنا ليلتنا الأولى في الملجأ بوقوع معركة عنيفة، وقيل إن الجنود المصريين انتصروا فيها على العصابات، وكنا نقوم برفع أيدينا إلى السماء وندعو «يا ناصر الستة على الستين انصرنا على الأعداء».

وبعد هذه الليلة الساخنة اضطرت عائلة هدى إلى الانتقال إلى قطاع غزة والتي تعد هربيا أقرب القرى عليها.

وتروي الحاجة أم طلال «جاءت الطائرات في الصباح الباكر وقامت بإفراغ حمولتها على أهالي القرية والقرى المجاورة لها على رؤوس الناس. وفي هذا الوقت خرجنا هاربين بعد أن سمعنا عن مقتل المئات في دير ياسين وبيت داراس وتقول الحاجة هدى: «كنا نخاف أن تتكرر المجزرة ونموت مثل أبناء دير ياسين».

70 حفيداً

وتشير أم طلال التي يزيد عدد أحفادها على الـ 70 حفيداً، أنه في الوقت الذي سبق النكبة كان يتوافد أجانب إلى قريتها والقرى القريبة منها، ويقومون بالتقاط الصور للقرى دون معرفتنا بدواعي هذه الزيارات وتلك الصور التي كانت سبباً في رسم الطريق لاحتلال فلسطين، وتفيد بأن الهجمات التي شنتها الطائرات على المدنيين كانت تأتي بشكل مفاجئ مع كل صباح، ولم نكن نملك السلاح الكافي للمواجهة.

وتقول: «بتنا ليلة في طريق هجرتنا إلى غزة تحت شجرة كينيا وقد أعدت أمي لنا الخبز بما تبقى من طحين، وعندما وصلنا غزة كانوا يوزعون علينا الفول والعدس».

وتقول أم طلال: كانت حياتنا صعبة للغاية، استقرت عائلتي في مخيم جباليا للاجئين، وصنعوا لنا خياماً من البلاستيك إلى أن جاءت الهيئات الدولية بحصرهم وتسجيلهم ضمن قوائم، إلى أن جرى توزيعهم على مخيمات متفرقة في قطاع غزة وأقيمت لنا خيام ومن ثم تطورت إلى منازل من القرميد.

وأردفت قائلة: «كنّا نتلقى وعوداً بأننا سنعود خلال يومين أو ثلاثة، أو أسبوع، ومضى 72 عاماً وما زلنا ننتظر العودة إلى ديارنا التي هجرنا منها».

اليوم بلغت الحاجة هدى «أم طلال» 83 عاماً، وأصبح وجهها تكسوه التجاعيد، مضى عمرها ولا تزال تحلم بأن تعود إلى قرية هربيا، على الأقل حتى يوارى جثمانها الثرى في مسقط رأسها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات