بعد مرور خمسة أشهر على إقرار مجلس النواب العراقي، استقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي «إجبارياً»، في الأول من ديسمبر الماضي، لا يزال الأخير في منصبه، كرئيس حكومة «تصريف أعمال»، فيما فشلت الكتل المهيمنة على البرلمان، طيلة هذه المدة في إيجاد بديل مقبول ومتفق عليه، وتشكيل كابينة ترضي تلك الكتل المتنافسة، مع الأخذ بمتطلبات الشارع العراقي، الذي أجبر عبد المهدي على الاستقالة.

ومن حيث المبدأ، ترفض حركة أكتوبر 2019 الاحتجاجية، أي مرشح لرئاسة الحكومة، تقدمه الكتل السياسية المتهمة بالفساد وقتل المتظاهرين، والفشل العام في إدارة البلاد، طيلة السنوات السبع عشرة الماضية، إلا أن «هدنة كورونا»، أعادت لها فسحة حرية لفرض إرادتها مجدداً، برفض مرشح رئيس الجمهورية، عدنان الزرفي، لأنه لم يكن مرشحها، على الرغم من فشلها في تمرير محمد توفيق علاوي، الذي توافقت عليه، ثم خذلته، بعد اختلافها على تقسيم المناصب.

إفشال مرشح الرئيس

وبعد تخلي الزرفي عن الترشيح، جاء في نفس اليوم «9 أبريل»، ترشيح وتكليف رئيس جهاز المخابرات مصطفى الكاظمي، على الرغم الاتهامات الخطيرة التي كانت قد وجهتها له نفس الكتل التي رشحته، إلا أنها اتفقت عليه لغرض إفشال مرشح الرئيس برهم صالح، الذي عرف عنه بأنه «السياسي الذي لا يستسلم».

ويرى المراقبون السياسيون أن الرئيس صالح كان يعرف الهدف من ترشيح الكاظمي، وأن من رشحوه سيختلفون فيما بينهم، ومن ثم يسعون إلى إسقاطه، إلا أن الظروف الآن تختلف عما كانت عليه قبل أكثر من شهر، مع قرب انتهاء المهلة المحددة للإعفاءات الأمريكية بشأن استيراد الطاقة من إيران، التي لا يمكن أن تستمر مع بقاء العراق من دون حكومة حقيقية، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد، وتفشي وباء كورونا، الأمر الذي دفع رئيس الجمهورية إلى الدخول بقوة على خط أزمة تشكيل الحكومة، في ظل الخلافات بين رئيس الوزراء المكلف مصطفى الكاظمي، لتشكيل حكومته أو اللحاق بسلفيه المكلفين محمد علاوي وعدنان الزرفي، والتي تتركز على إصرار الكتل على تغيير الكاظمي تشكيلته الوزارية واعتماد أخرى تراعي «المحاصصة» في ترشيحات الكتل السياسية لكل منصب، وتحفظاتها أيضاً.

تهديد لا تلويح

وتؤكد مصادر سياسية، دخول الرئيس صالح على خط الأزمة «كطرف وسيط»، لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة، محذراً، في الوقت ذاته، خلال لقاءاته الأخيرة مع قيادات الكتل، من خطورة إفشال مهمة الكاظمي، على غرار المرشحين السابقين اللذين كُلِّفا في الأشهر الثلاثة الماضية، محمد توفيق علاوي وعدنان الزرفي، وملوحاً في الوقت نفسه بخيار طلب حلّ البرلمان العراقي، وإجراء انتخابات مبكرة إذا لم تتشكل الحكومة.

ويقول المحلل السياسي زيد الزبيدي، إن كلام الرئيس صالح ليس «تلويحاً» فقط، وإنما هو «تهديد صريح»، فهمت الكتل البرلمانية المقصود منه، وأنه جادّ في هذا الشأن، مدعوماً من الشارع العراقي والمجتمع الدولي، إذ ليس من عادته إلقاء الكلام على عواهنه، فيما بينت المصادر أن «صالح عقد في الساعات الماضية اجتماعات مختلفة مع زعماء وقيادات سياسية للتوصل إلى حل سياسي، محذراً من خطورة الأوضاع في العراق وضرورة وجود حكومة كاملة الصلاحيات، ونبّه إلى خطورة إفشال مهمة الكاظمي، مشيراً إلى أن «إخفاق ثالث رئيس وزراء مكلف يعني أن الخلل بات بالكتل البرلمانية وليس برئيس الوزراء المكلف، وعليه يكون خيار حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة أسلم الطرق».

أمل بتحرك الرئيس

وعبر مراقبون سياسيون، مرات عدة، عن خشيتهم من «وجود سيناريو للكاظمي يشابه سيناريو الزرفي ومن قبله علاوي، وأن إفشال مهمة كل رئيس وزراء مكلف يُرشَّح قد يكون متعمداً ومتفقاً عليه من أجل إبقاء الحكومة الحالية، برئاسة عادل عبد المهدي، وإبقاء الوضع على ما هو عليه، إلا أن «هناك أملاً بعد تحرك رئيس الجمهورية برهم صالح، نحو الكتل السياسية، لإقناعها بتقليل شروطها وطلباتها من الكاظمي»، وأن «اليومين القادمين سيكونان حاسمين لحل الخلافات والاتفاق والتوافق على تمرير حكومة الكاظمي، أو إفشال هذه الجهود، وتقديم الكاظمي اعتذاره، لكن المرجح هو أن يغير تدخل الرئيس العراقي الكثير من المواقف، دعماً للكاظمي».