في الوقت الذي تتسابق فيه الدول لاحتواء تداعيات فيروس «كورونا»، عبر تقديم مساعدات عينيّة ورواتب لمواطنيها في ظلّ الحجْر المنزلي لمعظم سكّان الأرض، تنشغل أم علاء، السيّدة اللبنانية الستينيّة وربّة أسرة معدومة الحال ومؤلّفة من 8 أفراد، بإعداد الخبز على التنّور الذي بنته أخيراً، علّ ما تجنيه من آلاف الليرات المعدودة يقيها وعائلتها ذلّ العوز ومرارات الحياة التي لا تنتهي.

هكذا، وبعدما لم تجد من يلتفت إليها وإلى عائلتها، اختارت أم علاء الإشهار في وجه من يعنيهم الأمر: «ضحيّة الرغيف».. وبـ«رغيف التنّور»، قرّرت أن تغالب أوجاعها، وتصْرع القهر الذي خرج من قيده، بعدما أتعبتها الحياة.

جرس إنذار

وفي المحصّلة، تختصر قصّة أم علاء المشكلة الحقيقيّة التي بدأت معالمها بالظهور، عبر عدم إمكانية ربّ المنزل إعالة أسرته وتقديم أبسط مقوّمات العيش.

وما التحرّكات الشعبيّة العفويّة في بعض المناطق اللبنانيّة إلا جرس إنذار لما سيكون عليه الوضع العام، في الفترة المقبلة، بحسب استشراف مصادر بلديّة. ذلك أنّه، وبعد أكثر من شهر تقريباً على الحجر المنزلي، خرجت الحكومة اللبنانيّة باقتراح تقديم مساعدات ماليّة بــ400 ألف ليرة للعائلات المحتاجة.

وبعد أيام، ضبطت قيادة الجيش اللوائح «الملغومة»، لتوزيع المبالغ على العائلات الأكثر فقراً، والمتمثلة بأموات وتجّار مخدرات ومطلوبين إلى العدالة وميسوري الحال، ما استدعى تأجيل عمليّة التوزيع. وغداة هذا الخبر الذي ضجّ به لبنان، ومع تفلّت الأسعار في الأسواق وارتفاع سعر الدولار، يُعتبر المبلغ المقدَّم، في حال تمّ توزيعه، بمثابة مساعدة لبضعة أيام لا أكثر.

ابتسامة وأمل

وحيال هذا الواقع، تعرِب أم علاء عن تخوّفها من توزيع المساعدات على «الطريقة اللبنانيّة»، أي «منافع ومحسوبيّات، ومساعدات أمام الكاميرات»، وفق تعبيرها، ولا تتردّد في وصف مبلغ الـ400 ألف ليرة بـ«الحَجَر اللّي بيسند خابية»، في حال استلمته فعلياً.

تقف في مواجهة النار المشتعلة في قلب التنّور لتنتزع من داخله رغيفاً إضافيّاً، إيذاناً باكتمال ربطة مؤلّفة من سبعة أرغفة تبيعها لإحداهنّ بسعر 1500 ليرة، وتبتسم، مع إدراكها التامّ أنّ ما عليها سوى أن تنتظر بصمت «الهِبة» الموعودة من الحكومة، «الأفضل من العدم»، والتي ربّما لن تأتي!