ليس مرضى وباء «كورونا» وحدهم من ينالون تعاطف الناس في هذه الجائحة التي تضرب العالم وتحبسه في المستشفيات والمنازل. بل ثمة طرف ثانٍ في معادلة الحياة والموت في معركة من نوع خاص، أحد طرفيها غير مرئي ويريد سحب الناس إلى الموت الأسود، فيما يواجهه جيش أبيض من الأطباء والممرضين والصيادلة وخبراء الأدوية وغيرهم من العاملين في حقل الرعاية الصحية.
حال الطوارئ والإجراءات المشددة التي تفرضها الدول والحكومات والهيئات الصحية تعلن لمواجهة الوباء وطمأنة الناس، لها وجه آخر: معاناة الأطباء والممرضين والعاملين في المجال الطبي. لا يدور الحديث عن تعرّض هذه الشريحة المستنفرة لخطر الإصابة بشكل مستمر، إذ بالفعل توفي أو أصيب الكثيرين من الأطباء المعالجين لمرضى الفيروس، وتحولوا إلى فريسة له في ميدان المعركة، إلا أن ما لا يراه العالم بشكل جلي هو المعاناة اليومية واللحظية التي يعيشها الأطباء.
العاملون في القطاع الصحي في كل دول العالم يخوضون حرباً شرسة، ويبذلون جهداً كبيراً لتوفير العلاج لجميع المصابين. المعركة واحدة والعدو فيها هو نفسه، والمعاناة فيها تحمل الوجه نفسه.
عمل شاق
ساعات طويلة جداً من العمل، تتجاوز الـ12 ساعة بكثير في معظم الأحيان، يخرج العاملون في المجال الصحي من بيوتهم مودعين عائلاتهم لا يعلمون متى سيعودون، أو إن كانوا سيعودون فعلاً. وفي المستشفيات يرتدون الكمامات والأقنعة والقفازات ووسائل الحماية لمدد طويلة جداً، ما يتسبب بتشوهات وجروح وظهور كدمات وتقرحات وقشور.
لقد أظهرت أزمة فيروس «كورونا» التي تعاني منها معظم دول العالم حالياً، مدى الجهد الكبير الذي يبذله كل العاملين في المجال الطبي من أجل مساعدة المرضى والسيطرة على المرض ومكافحته. وهذا ما دفع دولاً مثل مصر كي تدعو وزارة الصحة فيها لتدشين وسم على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» بعنوان «جيش مصر الأبيض»، لشكر فريق الأطباء والتمريض المتعاون في مكافحة الفيروس. بل قررت الحكومة المصرية دفع مبالغ مالية لشهداء ومصابي معركة «كورونا»، من الطواقم الطبية.
ووصل الحال بخبراء في مجال الأوبئة في روسيا إلى أن يقرروا تجريب لقاح ابتكروه، على أنفسهم كمتطوعين. ورغم أن هذه المبادرة قد تنم عن ثقة بما ابتكروه، إلا أن هذا لا يلغي مدى المخاطرة التي تنطوي على هذا القرار.
مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي تنبّهوا لهذا الدور الهام والحيوي والأساسي والإنساني، ويحاولون إلقاء الضوء عليه من خلال تداول صور مؤثرة للعاملين في المجال الطبي، الذين يحاولون بذل كل جهدهم لإنقاذ المصابين، من دون راحة أو كلل.

تناقل نشطاء تدوينات لأطباء وممرضين يشتكون من غياب وسائل الحماية الكافية من كمامات طبية ومعقمات داخل المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية. وفي مقطع مصور على «يوتيوب»، طالب طبيب مصري، وزارة الصحة بإجراء فحوصات كل أسبوعين لكل العاملين في القطاع الطبي، وإخضاع أي مريض يعاني من ضيق في التنفس لفحص «كورونا».
إنها حرب
العالم كله يشيد بجهود طواقم الرعاية الصحية في حملة كبيرة من التعاطف والدعم، ويصفهم بالأبطال، وقد برز مصطلح «الجيش الأبيض» على نطاق واسع، تعبيراً عن إحساس فطري بحالة حرب من نوع خاص ولها جيشها الخاص. فلكل حرب أبطالها، وأبطال حرب «كورونا» هم هذا الجيش الأبيض الواقف في الصفوف الأولى على طول خط المواجهة مع الفيروس اللئيم.
في الحروب العسكرية، الجيش فصائل وكتائب وأقسام تقوم كلها بدور تكاملي. وجيش المواجهة مع «كورونا» أطباء وممرضون ومسعفون وعمال نظافة في المستشفيات والسيارات، يقابلون الفيروس وجهاً لوجه بسبب اختلاطهم المباشر مع المرضى ومعدات المستشفى.
تتشابه الأوضاع في مستشفيات العالم ومراكزه الصحية، ﻭتتشابه مخاوف العاملين فيها، إذ يروي الأطباء القصص نفسها عن الضغط النفسي والبدني الذي يتعرضون له، وكل الظروف التي تجعل حياتهم معرضة للخطر في أية لحظة.
