أم قاسم.. وحكاية وجَع ممتدّ من سوريا إلى لبنان

متسلّحةً بإيمانها الذي لا يتزعزع بأنّ «اللّي إلو عمْر، ما بتقتلو شِدّة»، لم تأبه «أم قاسم» (مدْنا) بقول الضابط المسؤول عن أحد المعابر الحدوديّة غير الشرعيّة بين لبنان وسوريا لها: «الدخول مسموح، والعودة ممنوعة».. تجيبه: «بدّي روح»، وهذا ما حصل بالفعل.

سيراً على الأقدام، اعتادت «أم قاسم»، منذ إقامتها في «الجنطليّة»، أن تجتاز المعبر غير الشرعي بين البلدين، من دون استئذان، فـ«الحدود بين البلدين مصطنعة»، وفق قولها لـ«البيان». كانت الأمور تسير على خير ما يُرام، إلى أنّ حلّت كارثة «كورونا»، فـ«زاد التشديد، وكثرت الممنوعات. بس أنا بدّي ضلّ روح وإرجع»، وهي لا تدري كيفيّة تطبيق قرارها، وتلتزم الصمت ببلاغة يعجز عن بيانها البيان، قبل أن تستدرك بالقول: «عندي مناعة ما بتهزمها لا كورونا ولا غير كورونا»..

هي الصلابة، لم يهزّها فقدانها ثلاثة من أبنائها الـ12: أسعد (19 سنة) قتلوه وكان سارحاً بالغنمات، ليان (23 عاماً) قتلتها رصاصة طائشة خلال الحرب، وهايل (25 عاماً)، الرقيب في الجيش، الذي رحل من الدنيا خلال تأدية مهمته في الحرب أيضاً. هو الهدوء الشبيه بالبكاء همساً يميّزها في جلستها، وهي تستذكر هايل الذي كان يتمتع بذكاء لافت، خلال دراسته وخدمته في صفوف الجيش، وتحكي الكثير عمّا رافق موته إلى حين ووري الثرى في «فليطة».. تنجح في منع دموعها من الانهمار لتكمِل حديثها عن أبنائها الأحياء (7 شباب، وابنتان)، الذين يعيشون موزّعين بين لبنان وسوريا.

ومن هنا، تبدأ قصّة «أم قاسم» (55 عاماً) التي أجبرتها الحرب على مغادرة منزلها في بلدة فليطة في قضاء النْبك، المقابلة لمنطقة عرسال من جهة لبنان، باتجاه بلدة القصير (ريف حمص). وهناك، لم يتبقَّ لها سوى «بيت عربي من حجر، وسقفه من خشب»، دمّرته آلة الحرب، وحقل من الكرز تقصده من حين لآخر، وكثير من الذكريات عن «مرْعى الغنم» وعن «بيت الشَعر وربْعاته الأربع».

وبفعْل الحرب أيضاً، غادرت القصير قسراً، عام 2015، واختارت الإقامة في منطقة حدوديّة (الجنطليّة- الحوش) مُتنازع عليها بين البلدين، ليتسنّى لها الانتقال بحريّة بينهما، لتفقد أبناءها الأحياء منهم هنا، ولقراءة الفاتحة عن أرواح من هم تحت التراب هناك، زوجها وأولادها الثلاثة، حاملةً الأزهار البريّة لتضعها على قبورهم. وما بين المشهدين، اعتادت أن تؤمّن لقمة عيشها وعيش ثلاثة من أبنائها، من خلال العمل في المواسم الزراعيّة حيناً، ومن خلال بيْع ما يتيسّر من حاجيات «صناعة سوريّة 100%»، وفق تعبيرها، في أغلب الأحيان.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات