لبنان.. والتحدّي بالطقوس والعادات العتيقة

بائع متجول يرتدي قناعاً واقياً في بيروت رويترز

لطالما حلمت أم غسان باختراع آلة تعود بها، وبمن يعنيها، عبر الزمن، الذي لا يزال «يتسلّل» إلى حاضرها، إنْ من زاوية الحفاظ على الذاكرة الجماعيّة أو من بوّابة «الحكايات» ليس أكثر، فـ«جاءتنا الآلة على شكل وباء، اسمه كورونا». ذلك أنّ هذا الفيروس أعاد العالم بأسره عشرات السنين إلى الوراء، مع عودة البحث في أقبية الذاكرة عن أنماطٍ سابقة للعيش، تلك التي أثبتت أنّها «الأقوى، والأجدر بالبقاء»، وفق تعبير السيّدة الستينيّة.

ولأنّ «كورونا» أرغم الكثير من العائلات اللبنانيّة على التخلّي عن ثقافتها الاستهلاكية وكمالياتها، بحثاً عن أساسيات الحياة والاكتفاء الذاتي، ما اقتضى إعادة الحسابات التي ترجّح كفّة «ما عليهم» على «ما لهم» الضيّقة أو المعدومة، وفيما هي تخوض معركتها ضدّ «كورونا» على طريقتها، لم تخفِ أم غسان سعادتها بالعودة إلى تخزين المؤونة والمعلّبات، وهي منهمكة بإخراج الصاج والطابونة من عزلة المقتنيات القديمة المنسيّة، لضرورة صنع المناقيش والخبز البلدي المرقوق لأحفادها.

الذاكرة الإبداعية
وتكرّ سبحة المشاهد المستجِدّة في زمن الفيروس المستجدّ، لاسيّما في القرى والبلدات اللبنانيّة، ما اقتضى العودة مجدّداً إلى خياطة أكياس الخامّ لصنع اللّبنة في المنازل، أو استعادة الذاكرة الإبداعيّة في إعداد المأكولات الشعبيّة، بدءاً من الكشك و«القورما بالبيض»، وطبخات البرغل، بأصنافها المتعدّدة (مع بندورة أو شعيريّة أو حمّص أو عدس)، مروراً بـ«الّلبنيّة» (الذرة مع الّلبن) و«شراب البليلة» المصنوع من البرغل المنقوع بالحليب والمذوّب باللبن السائل والملح و«المخلوطة» التي هي عبارة عن خليط من الحبوب المتنوّعة، ووصولاً إلى إعداد أطباق من النباتات الربيعيّة، كـ«البلغصون» و«الدردرية» والهندباء البريّة و«قرص العنّة» والـ«مخوّ بعبّو».

تعبئة عامة
ومع «لمّة العيْلة» في القرية، في ظلّ حالة التعبئة العامة ومنع التجوّل بفعل «كورونا» وتداعياته، تبدي رنيم وليال، الشابتان الجامعيّتان، سعادتهما بممارسة طقوس جميلة، أنساهما إياها صخب الحداثة، بدءاً من تجهيز الطعام والحلويات الشعبيّة، مروراً بالألعاب القديمة الجماعيّة.

وفي خضمّ المشاهد المتلاحقة، يعلو صوت البائع المتجوّل، منادياً على بضاعته: «بندورة، بطاطا، خيار، كلّو بلدي»، فتهرع أمّ غسّان إلى الخارج باتجاه مصدر الصوت. ذلك أنّ نمط الشراء من البائع المتجوّل، الذي لا يجتمع حوله أكثر من شخصين أو ثلاثة، يبعث الطمأنينة عندها أكثر من المتاجر المقفلة والمزدحمة، وخصوصاً أنّ «أشعّة الشمس تعقّم كافّة منتجاته»، وفق قولها لـ«البيان».. تبتسم، وتنظر إلى البعيد كمن يلملم أفكاره، ولسان حالها يقول: في زمن «كورونا»، عاد لبنان إلى ما كان عليه في ستينات وسبعينات القرن الماضي.. مشاهد من تلك الحقبة مُستدخلة في كادر من العام الجاري، و«الحبْل عالجرّار».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات