للمرة الأولى في حياته، يستأذن مني السماح له بالخروج من المنزل، ولكنها كانت الأخيرة لي وله، قالت والدة الشهيد الطفل محمـد حمايل (15 عاماً) الذي أعاده رصاص الاحتلال محمولاً «فوق أكتاف رفاقه ومحبيه» في بلدة بيتا جنوبي نابلس.
أضافت الوالدة بصوت يقطعه النحيب: «كنت أنتظر كل يوم عودته بعد أن دأب على المشاركة مع أبناء بلدته في التصدي لمحاولات جيش الاحتلال وقطعان المستوطنين الاستيلاء على جبل العُرمة، لكن يوم الأربعاء، كان انتظاري له قاسياً، ولا يمكن لي أن أتخيل الحياة بعده، ما زلت أنتظر عودته».
ومن المؤكد أن القناص الاحتلالي، الذي اتخذ من محيط جبل العُرمة في بلدة بيتا، موقعاً للقتل، لا يعرف ماذا تعني رصاصته من عودة مفجعة لعائلة حمايل، وكم هو كبير الألم الذي خلّفته هذه الرصاصة، وفاضت به منازل بلدة بيتا، وقلوب جميع أنصار الحرية في وطنهم، وفي أصقاع الأرض.
ولا يرى الاحتلال، في ضحاياه سوى رقم حسابي بارد حين تقذفها بندقيته، صوب طفل بعمر محمد، يقع في مرى سلاحه.
ويقاس الألم الذي يخلفه قتلة جيش الاحتلال، بكل شيء بشري، عدا الأرقام، التي لا يمكن أن تعني شيئاً لوالدة محمـد، التي لن تجد أحداً بعد رحيل أصغر أبنائها، للثياب الجميلة التي كان يوليها اهتماماً خاصاً، ولن تعني شيئاً كذلك لطلبة مدرسة السلام في بلدة بيتا، عندما يعودون إلى صفهم وثقل المقعد الشاغر الذي شغله صديقهم، ينغرس وجعاً وغصّة في قلوبهم.
الحجارة التي التصق بها محمـد في جبل العُرمة، للنجاة من رصاص القناص الإسرائيلي، لم تحمِه من الموت، الذي فاجأه فور تحركه، كما يصف أحد أصدقائه، موضحاً لـ«البيان»: «كنت برفقته لحظة إصابته برصاص القناص المتمركز قرب الجبل، وطلبت منه أن يمشي بملاصقة الصخور، لأن الرصاص لم يكن يميّز أحداً، وكان ينال من كل هدف متحرك، لكن ذاك الرصاص الغادر كان أسرع من لساني، فما إن أكملت عبارتي حتى أصيب محمـد في رأسه وسقط شهيداً».
