يصفهم بعض المغرّدين بأنهم «زائرو الليل»، ويعتبر آخرون أن «اللسان يعجز عن وصف تراحم العراقيين... (مجانين العراق) تظهر أصالتهم في أوقات الشدائد والمحن»، ويعبّر مغرّد كبير السن عن شكره لزائري الليل، بمزيد من العاطفة «وحق الحق، ليس هناك شعب يشبهكم... أقبل أياديكم، فإنها تعمل إكراماً للإنسانية». ويرفض صاحب «المخبز الجوّال» التعريف باسمه، ومَن يكون، مكتفياً بالقول إنه عراقي، وإنه «الخبّاز».

يتهيّأ «الخبّاز» ومجموعة من المتطوعين العاملين معه، عند منتصف الليل، بإعداد شاحنته الصغيرة «بيك آب»، ويفحصون جاهزيتها وتنّور الخبز الموجود فيها مسبقاً، ثم ينقلون إليها أوعية وصحون العجين المعد للخبز، وبعد إتمام هذه الأوليات، يتوجّهون بعجلتهم، في الساعة الثانية بعد منتصف الليل إلى الأحياء الفقيرة، وهم يصنعون الخبز الطازج لتوزيعه مجاناً على العوائل المحتاجة، فيما تنشغل مجموعة أخرى من العاملين والمتطوعين، داخل المخبز الرئيسي، لتهيئة الوجبات التالية لنقلها وخبزها وتوزيعها.

ويشير الخباز إلى أن طاقة الفرن الجوال «متواضعة»، وهي لا تزيد على 10 أطنان يومياً، يمكن مضاعفتها بتوفير عجلة أخرى، أما الفرن فهو متوفر، كما أن هناك عشرات المتطوعين الذين يرغبون بمشاركتنا في العمل. ويقول إن ظروف كورونا وحظر التجوال، تحرم عائلات كثيرة من إمكانية الحصول على الخبز، ما دفعنا إلى استحصال الموافقات الأمنية والصحية، لاستثنائنا من الحظر، وإنجاز عملنا التطوعي، وفي بعض الأحيان يرافقنا متطوعون من القوات الأمنية لتوزيع الخبز.

ومنذ بداية سريان حظر التجوال، تعددت عمليات صناعة الخبز بالأفران الجوالة وتوزيعه، ما اقتضى الاتفاق بين أصحاب الأفران إلى تقسيم مناطق العمل والتناوب فيما بينهم، مع وجود فائض من المتطوعين لهذا العمل.

ويضيف الخبّاز، إن عمله وفريقه يستمر حتى الساعة الخامسة فجراً، ويروي إن هناك العديد من المبادرات التطوعية المتنوعة، ومنها قيام مطاعم بتوزيع الوجبات الجاهزة، وقيام معامل تصنيع مياه الشرب بالتجوال بين الأحياء لتوزيع العبوات بمختلف أحجامها، إضافة إلى توزيع وجبات غذائية متكاملة للأطباء والموظفين الصحيين الخارفين في المستشفيات.

ويتحدث الخباز عن تمويل مثل هذه العمليات التي تشمل عشرات الآلاف من العوائل، موضحاً انه عندما بدأ بهذا العمل التكافلي، قرر أن يكون التمويل من قبله فقط، وهذا ما كان في الأيام الأولى، إلا أن «الخيّرين كثيرون»، وهم يرغبون بالمساهمة في العمل الإنساني، إضافة إلى كثرة المتطوعين للعمل، ولا يمكننا حجب فعل الخير عن الآخرين... وهكذا يظهر شعب العراق معدنه الأصيل، ووقفته الموحدة في مواجهة الشدائد.