في حين يعزل العالم نفسه، وسط مخاوفه من فيروس كورونا العابر للحدود والقارّات، يعتزل عمال فلسطين منازلهم، ويعزلون عائلاتهم في دواخلهم، ويمضون إلى عالم مجهول، ليصبح الخوف منهم وعليهم.

عمال فلسطين لا زالوا يقومون بدورهم الطليعي في شتى مجالات الحياة، فهم من طبقة واعية ومنتجة في آن، ولم يدقّوا بعد «جدران الخزان».

هم الذين يجتازون المعابر في ساعات الفجر الباردة، ويقطعون المسافات الطويلة، في سباق الخبز المر، ويضطرون للنوم في عبّارات المياه ومجاري السيول، وفي أحيان كثيرة يتسلّقون جدار القهر، وسط ملاحقات غربان الحدود الإسرائيليين.

وإذ ينتشر فيروس كورونا المستجد هذه الأيام، في إسرائيل، فإن الأخيرة «كعادتها» لم تف بالالتزام الذي قطعته على نفسها، بتوفير مبيت آمن للعمال الفلسطينيين، أو توفير العلاج لمن يُصاب منهم، بل إنها أوقعتهم في شرك «كورونا»، ومن تتأكد من إصابته بهذا الفيروس، تلقيه على قارعة الطريق، وقرب الحواجز العسكرية التي تفصل مناطق الضفة الغربية عن الداخل المحتل عام 1948.

قصة بدو

ولعل ما جرى في قرية بدّو شمال غرب القدس المحتلة، يؤكد صحة هذا المخطط الخبيث، فقد أعادت سلطات الاحتلال عمالاً من القرية إلى منازلهم، بعد أن أصابهم فيروس كورونا، لينقلوا بدورهم المرض إلى عائلاتهم، ما نتج عنه وفاة سيدة، هي والدة أحد هؤلاء العمال، وإصابة 20 آخرين من العائلة ذاتها، بينهم خمسة أطفال، حتى الآن.

ويعترف الناطق باسم الحكومة الفلسطينية إبراهيم ملحم، بأن العمال ثغرة خطيرة، في جدار العزلة الفلسطينية ضد «كورونا»، وقد ينفذ منها هذا الوباء إلى عديد الأسر الفلسطينية، مؤكداً أن الوسيلة الأكثر أماناً، تكمن في عودة العمال والتزامهم بالحجر المنزلي.

في هذه الأيام، تنشط لجان الطوارىء في كل القرى والبلدات الفلسطينية، من خلال مسح وبائي للعمال العائدين من أماكن عملهم في المنشآت والمصانع الإسرائيلية تمهيداً لحجرهم، وتفادياً لما جرى في قرية بدّو.

ممارسات عنصرية

الأيام الأخيرة كانت شهدت ممارسات عنصرية احتلالية بحق العمال الفلسطينيين، بحيث تهرّب أصحاب العمل من مسؤولياتهم، لتقوم سلطات الاحتلال بنقلهم إلى مناطق الضفة الغربية، وتلقي بهم قرب المعابر، دون أي مراعاة لحقوقهم.

وطبقاً للناطق باسم وزارة العمل الفلسطينية رامي مهداوي، فإن العشرات من العمال الفلسطينيين كانوا يعملون على مقربة من أماكن الحجر الصحي للإسرائيليين، ودون أية إجراءات وقائية، ما يجعلهم عرضة للإصابة، ونقل العدوى إلى عائلاتهم ومجتمعهم، لافتاً إلى أن هذا الأمر أبرم بالليل، بهدف الإيقاع بالفلسطينيين.

وما يُثير الريبة والشكوك في هذا المضمار، أن الاحتلال استثنى العمال الفلسطينيين من الطوق الأمني الذي فرضه ضمن تدابير مواجهة «كورونا»، كما ترك لهم المجال للعبور عبر ثغرات في جدار الفصل العنصري، لغاية في نفسه.