لم تكن التقارير والصور التي تم تداولها مؤخراً، وتُظهر قيام إيطاليين بإنزال علم الاتحاد الأوروبي، ورفع علم الصين، مجرّد تعبير شعبي عن غضب الإيطاليين من تخلي التكتل السياسي والاقتصادي الأبرز عنهم، في مواجهة وباء «كورونا» المستجد، ولم تكن أيضاً مجرد تعبير فقط عن امتنانهم لموقف بكين الداعم، ذلك أنها تكشف في الوقت ذاته، عن حالة الانفصال التي يعيشها الاتحاد، في ظل ضعف التضامن بين بلدانه، وتنذر -ضمن مجموعة من المؤشرات والعوامل الأخرى- بتغيرات تلف مصير عالم ما بعد «كورونا».
إيطاليا التي تُركت وحيدة في مواجهة الوباء -على حد تعبير سفيرها لدى الاتحاد الأوروبي، ماوريتسو ماساري- فتحت أزمتها باب الحديث عن المصير الذي ينتظره الاتحاد بعد انتهاء جائحة «كورونا».
«كورونا» كشف التفاوت الدولي في مبدأ التضامن. يقول مدير مركز خبراء رياليست الروسي، د. عمرو الديب، لـ «البيان»، عبر الهاتف من موسكو: «كل دولة في هذه الفترة، تحاول أن تغلق على نفسها، للحفاظ على مصالح شعبها، والوضع الصحي والاقتصادي، ولاحتواء انتشار الوباء»، مشيراً إلى أنه بعد تسارع وتيرة انتقال الفيروس، كان الحل الوحيد أمام حكومات العالم، غلق الحدود والتقوقع.
تقسيم العالم
وفي ما يعتقد بأن الفيروس سيكون له دور في تقسيم العالم بشكل كبير، استطرد قائلاً: «مع غلق الدول حدودها، يتحول العالم إلى جزر منفصلة، في حين تقدّم دول المساعدات لدول أخرى أكثر تضرراً من الفيروس، مثل روسيا التي قدمت أجهزة كشف عن الفيروس لدول الاتحاد السوفييتي السابق، وإلى صربيا، وأرسلت تسع طائرات محملة بالأطقم الطبية والمعدات الطبية إلى إيطاليا.. وكما رأينا أيضاً، الصين التي تقدم مساعدات لإيطاليا وعشرات الدول الأخرى».
تباين المواقف، ينطلق من تصاعد حالة الخوف، وتأثيرها في السياسات المتبعة في الأزمات، فقد أثبتت أزمة «كورونا»، أنه «في حالات الخوف، الكل يحاول أن ينجو بنفسه، فدول الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، أغلقت حدودها، حتى في الولايات المتحدة الأمريكية، بدأت الولايات نفسها تتصرف بشكل منفصل عن الحكومة الفيدرالية، في كثير من الأمور»، هذا ما يؤكده في تصريحات لـ «البيان»، عبر الهاتف من واشنطن، المحلل السياسي، العضو النشط بالحزب الديمقراطي الأمريكي، د. مهدى عفيفي.
ويشدد عفيفي على أن «فيروس «كورونا» غيّر العالم، لكنه لا يمكن أن يُنهي مفهوم القرية الواحدة، لأن هناك تشابكات واسعة حول العالم»، لافتاً إلى أن «أحد أسباب الانعزالية التي نراها الآن، أن هذا التناغم بين دول العالم وبعضها البعض، لم يكن مكتملاً، فقد كان تناغماً مشروطاً، مع تنافس شديد، خاصة بين الصين والولايات المتحدة.. وأعتقد أنه بعد الأزمة، ستظهر تكتلات مختلفة، سواء حول الصين، أو حول الولايات المتحدة، وتكتلات أوروبية أخرى».
وإلى ذلك، يقول الباحث بمؤسسة أمريكا الجديدة للدراسات، باراك بارفي، لـ «البيان»، عبر الهاتف من واشنطن «إن هذه الأزمة، دفعت إلى اعتقاد البعض بأن فكرة الحدود المفتوحة، مثل تلك الموجودة في الاتحاد الأوروبي، ستكون ضحية للفيروس». ويتساءل في الوقت ذاته: «لكن ما الدولة التي ستعاني أكثر من السياسات التي تقلل الترابط الاقتصادي؟».
