لم تلقَ «رولا» تشجيع الأهل والأصدقاء حين اختارت اختصاص التمريض. قالوا لها إنّ المهنة متعِبة، وترتكز على ممارسات بسيطة، مثل تغيير الشراشف أو إعطاء المريض كوباً من الماء، وما إلى ذلك من مفاهيم خاطئة ما زالت تسود في أذهان الناس. وعلى الرغم من ذلك، أصرّت على متابعة دراستها في الاختصاص الذي وجدت فيه قيمة إنسانيّة جميلة. ومع مرور الوقت، تمكّنت من تغيير نظرة أهلها إلى المهنة، إذ «يتحمّل الممرّض مسؤوليّة كبيرة في عناية المرضى وإنقاذ أرواحهم».
لكنْها لم تكن تعلم أن مهنتها كممرضة تقدّم المساعدة الطبيّة لمرضاها، ستكلّفها أسبوعين من المعاناة والخوف على صحّتها وحياتها، ليس لسبب إلا لأنّها خالطت مريضها المُصاب بفيروس «كورونا».
وهكذا، بين ليلةٍ وضحاها، اجتمعا في المكان نفسه بدوريْن مختلفين: هو «ضحيّة»، وهي «مشروع ضحيّة».. فانقلبت الأدوار، لتُصبح هي المريضة التي تتلقّى العلاج على يد زملاء لها في المستشفى. أمّا المفارقة، فتمثلّت بكوْن عدوى الفيروس انتقلت إليها من المريض الذي تشارك غرفة المستشفى مع ضحيّة لـ«كورونا» في لبنان.
والبداية كانت في قسم العلاج الرئوي، حيث تولّت الممرضة العشرينيّة متابعة حالة مريض ثمانيني، مُصاب بالسرطان، والذي كان تشارك الغرفة مع شخص آخر أصيب بـ«كورونا» وفارق الحياة بعد أيام، كان كلّ شيء طبيعيّاً، إلى أن خضع المريض الذي تتابع حالته لفحص «كورونا»، وكانت النتائج إيجابيّة، ليتبيّن لاحقاً إصابتها هي. علماً أنّها لم تشعر بأيّ عارضٍ من عوارض «كورونا» (سعال، حرارة مرتفعة، آلام في المفاصل وضيق تنفّس)، كي تُجري فحص الــPCR، لكن مخالطتها مريضاً مصاباً بالفيروس الخبيث أجبرتها على الخضوع للفحص.
تقول: «علمتُ بإصابتي، وكان إبلاغ أهلي هو الامتحان الأصعب الذي واجهتُه».. وجهزت حقائبها على عجلٍ، وغادرت إلى قسم العزْل في أحد المستشفيات. وهناك، حيث انعزلت عن العالم الخارجي، ولم تتطلّب حالتها سوى أدوية يتناولها أيّ شخص عادي يشعر بآلام بسيطة في الحنجرة أو الرأس، بعيداً عن الأمصال ومشتقّاتها، اختبرت رولا كلّ الآلام النفسيّة، والتي دفعتها إلى إعادة صوْغ رسالة مؤثرة كانت قد كتبتها منذ سنين خلت، أوصت فيها بمنح أعضاء جسدها عند موتها ليعيش غيرها، ليكون الموت «فراش حياة، لا فراش ألم».
وفي المحصّلة، خرجت «رولا» من «معركة كورونا» منتصرةً على الفيروس القاتل، وهي تكمِل حياتها بشكل طبيعي، وتستعدّ لاستكمال عملها في المستشفى، بعد أن أمضت 14 يوماً في الحجر الصحّي الإلزامي. وبالمناسبة، خصّت من يعنيهم الأمر برسالة مفادها «لا تدعوا الخوف يغلبكم.. «كورونا» فيروس مثله مثل الفيروسات الأخرى، مع فارق بسيط هو سرعة انتشاره»، إذ إنّ نسبة الشفاء منه أعلى بكثير من نسبة الوفاة، فـ«لا داعي للهلع، والمطلوب الالتزام بإجراءات الوقاية»، متسلّحة بإيمانها أنّ «مصابي «كورونا»، ليسوا أرقاماً في دفتر الذكريات، بل حضور وتحدٍّ وبقاء، وإيمان بغدٍ أفضل».
