فتحت أم بلال الباب، خارجةً من منزلها الريفيّ، في مجازفة هي بالنسبة لها «وجوديّة»، لتستقبل على «مصطبة» الدار جارتها، لأوّل مرّة منذ أسبوع، مكمّمة الوجه.. «جيرة عمْر».

لكنّ شيئاً تغيّر: استقبال بـ «طسّاسة» التعقيم، وبـ «بخّاخة» خليط الكلور والماء، المسافة الإضافيّة التي تفصل بينهما، حذر الاقتراب، وريبة الأنفاس، أو أيّ حركة غير منضبطة.. إنّه زمن «كورونا»، الذي استدعى أن تطلب أم بلال من جارتها الالتزام بـ «الكمّامة والقفازات المطاطيّة».

«كان ناقصنا هالكورونا حتّى تِكمل معنا»، تقولها أمّ بلال، مرحّبةً بجارتها بعد طول انقطاع.. الكثير من الصمت، وكلّ شيء يتحرّك ببطء مريب، عدا اليمامات التي باتت متكاثرة فجأة، متمتّعة بالخلاء، وبحريّة مستجدة مع تواري البشر.

ولأنّه زمن آخر، بعيدٌ عن الأحاديث المرتبطة بشرْب القهوة والتبصير، واستعراض أخبار أهل الضيعة بالتفصيل، كان لا بدّ من أن تفرغ كلّ سيّدة ما في جعبتها من أخبار عن فيروس «كورونا» المستجدّ، بدءاً من كونه بات كامناً فوق الخضار، وتحديداً الخيار والخسّ والتفاح.

ورابضاً على تنَك المعلّبات، وفوق زجاجة الزيت وإبريق الماء، ومختبئاً في الأكياس وعلى الكرتونة وعلى نايلون غلاف ورق المحارم أو ربطة الخبز، مروراً بكونه «يتكاثر» على أصابع اللحّام وسكّينه «أكتر شي»، ووصولاً إلى كونه بات ملتصقاً بكلّ شيء، في كلّ مكان.

عينة واقعية

وما سبق عيّنة واقعية لكثير من الناس ممّن تعاملوا مع الفيروس المرعب على الطريقة اللبنانيّة التقليديّة، القائمة على خليط من وصفات الطبّ الشعبي والشائعات، أُضيف إليها، في عصر «السوشيال ميديا»، ملايين الرسائل النصيّة والمصوّرة والمقالات العلميّة، والتي تحوّل فيها الكلّ إلى طبيب، أو حتى خبير في العلوم الجرثوميّة..

أمّا الأخطر، فيتمثّل بتحوّل وجهة النظر الفرديّة تجاه «كورونا» إلى ممارسات مجتمعيّة، تتدرّج من خروج جماعي غير آمن إلى أمكنة محدّدة في فترة «التعبئة العامة»، إلى ممارسة أكثر التقاليد اكتظاظاً، من أفراح وزفّة، أو ربما تهنئة جماعيّة بالشفاء من المرض.