اتفاق إدلب يثبّت مكاسب الجيش السوري

أردوغان يحصـــــــــد الخيبة

نجحت روسيا في إجبار تركيا على الرضوخ للواقع الجديد في إدلب وتثبيت حدود جديدة لاتفاق سوتشي، بما يضمن الحفاظ على المكاسب التي حققها الجيش السوري خلال حملته ضد الفصائل الموالية لتركيا، وينسف «المهلة التركية»، التي حددتها للجيش السوري للانسحاب.

وبعد محادثات ماراثونية استغرقت ثلاث ساعات، توصل الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان، إلى وقف لإطلاق النار في محافظة إدلب، دخل حيز التنفيذ ليلة أمس.

وتعكس البنود الموجزة للاتفاق انتصاراً للجيش السوري وروسيا في المعركة ضد الجيش التركي والفصائل الموالية له، حيث إن الاتفاق الجديد يعتمد على تثبيت المكاسب التي حققها الجيش السوري خلال حملته الأخيرة، وكذلك يشرعن دخول روسيا عبر «الدوريات المشتركة» مع تركيا إلى الطريق الدولي «إم4» الذي تسيطر عليه الفصائل المسلحة، بهدف تأمينه كاملاً وبعمق ستة كيلومترات على جانب الطريق الرابط بين حلب واللاذقية، وضمان تشغيله بدون عوائق، فيما يبقى الطريق الدولي الآخر، حلب - دمشق، تحت سيطرة الجيش السوري، مع ضمان عدم قيام تركيا بأي محاولة تعطل حركة النقل.

وبموجب هذه البنود، فإن تركيا فشلت في تحقيق هدفها الرئيسي، وهو استعادة المناطق التي سيطر عليها الجيش السوري في حملته الأخيرة، حيث إن أردوغان سبق وكرر مراراً تهديده بـ«المهلة التركية»، والتي تضمنت الطلب من القوات السورية الانسحاب من كافة المناطق والبلدات التي سيطرت عليها، بما في ذلك مدن كبيرة في ريف إدلب، مثل معرة النعمان وسراقب وعشرات القرى شمال حماة.

صيغة مرحلية

والاتفاق الجديد يضمن، نظرياً، توقف المعارك حالياً، أي الانتقال من صيغة المعركة المتصلة إلى صيغة مرحلية، مع صعوبة ضمان صمود وقف إطلاق النار بين الجانبين. وقبيل أقل من ساعتين على دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، قتل جنديان تركيان بنيران قوات الجيش السوري وفق ما أعلنت وزارة الدفاع التركية. وأوضحت الوزارة أن ثلاثة جنود أصيبوا أيضاً في منطقة إدلب، لافتة إلى أن القوات التركية «ردت فوراً بنيران كثيفة».

وأعرب الرئيس الروسي في ختام المحادثات عن ثقته في أن الاتفاقات التي تم التوصل إليها ستصبح الأساس لحل الوضع في إدلب. وقال بوتين: «آمل أن تكون هذه الاتفاقات بمثابة أساس جيد لإنهاء العمليات العسكرية في منطقة خفض التصعيد في إدلب، ووضع حد لمعاناة السكان المدنيين... وتهيئة الظروف لاستمرار عملية السلام في سورية بين جميع أطراف الصراع».

وأكد أردوغان السعي مع نظيره الروسي الى جعل الاتفاق «دائماً». وحذر الرئيس التركي في المقابل ان بلاده تحتفظ «بحق الرد بكل قوتها وفي كل مكان على أي هجوم» تشنه دمشق.

وأعلن بوتين الذي تحدث قبل أردوغان ان البلدين «توافقا على نص سيكون أساساً صلباً لوضع حد للمعارك في منطقة خفض التصعيد في إدلب».

إلى ذلك، أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خلال تلاوته بياناً مشتركاً أن الجيشين الروسي والتركي سيقومان بتسيير دوريات مشتركة على الطريق السريع «ام 4» (حلب - اللاذقية) اعتبارا من 15 من الشهر الجاري، علما بانه محور استراتيجي يعبر منطقة إدلب.

وأورد نص الاتفاق ان البلدين سيقيمان «ممراً أمنياً» بعمق ستة كيلومترات على كل من جانبي الطريق المذكور، ما يعني منطقة عازلة بعرض 12 كيلومتراً.

وأضاف ان تفاصيل هذه المنطقة ستحددها أنقرة وموسكو خلال سبعة أيام.

مسألة شخصية

ويقول محللون في إفادات لوكالة فرانس برس إن تحقيق النصر في سوريا بالنسبة لبوتين ليس مسألة سياسية بل أصبحت شخصية. وقال يوري بارمين المحلل لشؤون الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الدولية الروسية الذي يقدم الاستشارة للكرملين «تعززت صورة بوتين كاستراتيجي ماهر مرتبط بسوريا.... النصر في سوريا أصبح مسألة هيبة بالنسبة لروسيا ولبوتين شخصياً».

تدخلت روسيا في سوريا في نهاية 2015 مع حملة قصف جوي ساهمت في تفوق نظام دمشق في المعادلة على الأرض. وساعد التدخل الروسي الرئيس بشار الأسد على استعادة قواته مناطق شاسعة في البلاد من أيدي إسلاميين ومجموعات معارضة مدعومة من الغرب ومن تركيا.

وبوتين العميل السابق في جهاز «كاي جي بي» الذي وصف انهيار الاتحاد السوفييتي بالكارثة، اقتنص فرصة لاستعادة أمجاد الكرملين العسكرية السالفة وتحدي الغرب.

ويقول المحلل العسكري الروسي بافيل فلغنهاور إن موسكو استثمرت بشكل كبير في قاعدتين على الساحل السوري - قاعدة طرطوس البحرية وقاعدة حميميم الجوية - لكي يتمكن بوتين من إظهار قوته العسكرية في حوض المتوسط بفضل سفنه الحربية ومقاتلاته. ويضيف «روسيا غير مهتمة بسوريا كبلد لكن من المهم أن يبقى الأسد في السلطة لأنه يضمن بقاء هاتين القاعدتين الروسيتين في البلاد».

من جهته يقول ديميتري ترينين مدير معهد «كارنغي» في موسكو أنه تبين أن النزاع في سوريا كان ساحة جيدة للتدريب العسكري مع اكتساب مئات الجنود الروس خبرة ميدانية واختبار مئات الأسلحة الجديدة. ويضيف «انه مثال مادي على ما يمكن لروسيا إنجازه من خلال أدوات عسكرية ودبلوماسية في آنٍ». ويتابع أن للنزاع وقعاً شخصياً بالنسبة لبوتين.

ويضيف «يعلم بوتين جيداً أنه يتفوق عسكرياً وسياسياً على اردوغان، لكنه سيجد سبيلاً للسماح للرئيس التركي بـ«التراجع مع الحفاظ على ماء الوجه». وبعبارة أخرى «يسعى بوتين بالتأكيد للتوصل إلى تسوية مع تركيا حول سوريا لكنها ستكون تسوية تمليها روسيا» بحسب بارمين.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات