دبي - وكالات

في أبريل عام 1972، التقى الرئيس السادات، باللواء محمد حسنى مبارك، وقتها، ودار بينهما حديث طويل حول الحرب ودور الطيران، ثم أسند إليه قيادة القوات الجوية، ليؤدى دوراً تاريخياً، استرد به الشعب المصري بصفة خاصة، والشعب العربي بصفة عامة، كرامته وكبرياءه الوطني، حين خاضت القوات المسلحة المصرية، أشرف وأعظم معارك العصر، في حرب رمضان المجيدة، وكانت القوات الجوية أول من أطلق الشرارة الأولى في الخطة، فلقد بدأ الطيران المصري الحرب، وهو الذي أنهاها، كما قال الفريق عبد الغني الجمسي رئيس الأركان.

وفي تفاصيل وكواليس النصر التي نشرها موقع «بوابة الأهرام»، على لسان قائد القوات الجوية، الفريق الراحل محمد حسني مبارك، لمعرفة سر تكريم القوات المسلحة اليوم له، رغم انحيازها للشعب في 2011.

طلبني القائد الأعلى، الرئيس السادات، بعد أن أسند لي قيادة قواتنا الجوية، وكان لقاء رائعاً ذا طابع خاص، فقد قال لي سيادته: سنحارب معركتنا، والطيران هو فيصل الحرب، وعليك منذ هذه اللحظة، اختيار أسلوب جديد في الهجوم، أسلوب هو المفاجأة بعينها للعدو، وفى الوقت نفسه، يضمن سلامة قواتنا الجوية، وقدرتها على الاستمرار في النصر.

‫ساعتها أحسست بجسامة المهمة وخطورتها، ومسؤوليتها التاريخية، وظللت 72 ساعة دون نوم، أفكر على الورق، ثم عدت إلى الرئيس بمشروعي، وكان باختصار شديد، بعيداً عن التفاصيل، يتضمن العمل الجوي المركّز، بما يضمن تحقيق ضربة السيطرة الجوية بنجاح، وقد وفقنا الله عز وجل إلى ابتكار هذا التكتيك الجديد، وتطبيقه في أرقى أشكاله الهجومية.

‫وقبل الحرب بعدة أشهر، ارتفع معدل التدريب، وظللنا نعمل طوال النهار والليل، مع الاحتفاظ ببعض النشاط الوهمي، لتضليل العدو عن حقيقة نوايانا، وقد استلزم هذا النشاط جهداً وطاقة إضافية طوال عام كامل.

‫وفى أغسطس عام 1973، أعطانا القائد الأعلى قرار الاستعداد الكامل لساعة الصفر، تحددت بعد ذلك بيوم 6 أكتوبر – 2 ظهراً، وكانت حرب رمضان المجيدة، وقد مررت على جميع قواعدنا الجوية ثلاث مرات، قبل أسبوع من اليوم الخالد. ‫

حرب الـ 17 يوماً

استمرت حرب السادس من أكتوبر/ العاشر من رمضان، على مستوى الجو والبر والبحر 17 يوماً، وشهدت أعنف المعارك الجوية والبرية والبحرية ضراوة في سيناء، وغرب القناة والبحرين الأبيض والأحمر، ذلك لأننا في حرب عام 1967، فقدنا السيطرة الجوية في ساعات قليلة وطائراتنا فوق الأرض، وبالتالي، تعرضت قواتنا البرية للإبادة في سيناء، وفى حرب عام 1973، أحرزنا السيطرة والسيادة الجوية، كما أحرزنا التفوق المطلق، رغم قوة طيران العدو، وهى قوة لا يستهان بها من ناحية الكم والنوع. أحرزنا هذه المعجزات في الساعات الأولى من المعركة، حطمت خلالها قواتنا المشاة خلالها، حصون خط بارليف الهرمية، فجاءت هذه التسمية التي أطلقتها الصحافة (حرب الساعات الست)، لأن العدو فقد توازنه خلال هذه الساعات.

‫ولكنها عملياً وتاريخياً، حرب السبعة عشر يوماً.

أسرار خطة القوات الجوية

‫قبل حرب 1967، سجلت أن الخدمة الأرضية في مطاراتنا كانت ضعيفة للغاية، ومن أسباب الهزيمة، ضعف الخدمة الأرضية.

‫فالطيران ما هو إلا طيار وملاح ومهندس وفني وإداري، وكل طائرة تحتاج لجهود تستغرق ما بين 20 و24 ساعة، لتحقيق سلامة مهمتها، وحين بدأنا الاستعداد لمعركة المصير، كان علينا التخلي عن الأساليب النمطية في إعداد وإصلاح الطائرات، واستخدام وسائل بديلة مستحدثة مدروسة، الفضل في إيجادها يعود للعقل المصري، فأقمنا مدارس عسكرية خاصة، لتأهيل كل الأطقم الفنية فوق الأرض وفى السماء، حتى يمكننا بعد ذلك ترجمة عمل هؤلاء إلى قتال ناجح.

‫ظل التدريب التعبوي، يتم على هيئة مشروعات مشتركة مع بقية أسلحة قواتنا، مع تدريب الطيارين ليل نهار على الطيران بارتفاعات منخفضة، لتفادى الكشف الراداري وأجهزة الإنذار المبكر لدى العدو، وتدرب الرجال على إطلاق المدافع والصواريخ بدقة وكفاءة عالية في تمييز الأهداف، والمناورة بميادين رمي مزودة بأهداف هيكلية، كما تدرب الطيارون على الإقلاع بطائراتهم في زمن قياسي، وبالتالي، استوعب التدريب أطقم الملاحة الجوية، والتصوير الجوي وتفسير الصور التي تعود بها طائرات الاستطلاع، مع رفع كفاءة الإصلاح الهندسي للطائرات.

‫ أعمال خارقة

لم يكن ما حققته قواتنا الجوية أملاً قائماً على المصادفة أو المفاجأة أو ضربة حظ عشواء. بل كان نتاجاً لبرامج التدريب القاسية، ولحسابات تحمل طابع الرؤية العلمية للمعركة وتصاعدها، لما يملكه العدو وما نملكه نحن، لتخطيط مبني على معارف دقيقة، بكل نقاط الضعف لدينا ولدى العدو، من طائرات وطيارين ومدفعيات وصواريخ مضادة للطائرات، ومن هنا، جاءت حرب أكتوبر، ودور قواتنا الجوية خلالها، صفحة مشرقة للتخطيط والتجهيز السابق في التنفيذ.

‫لقد كنا نعمل، وإيماننا بأن النصر لا يتحقق عفواً.

كان الزمن التقليدي على جميع المستويات لأي معركة جوية طويلة، وبالقياس العالمي، يتراوح بين 7 دقائق و10 دقائق، وفى حرب رمضان، قاد طيارونا معارك جوية استمرت 50 دقيقة، في معركة المنصورة، وتحقق ذلك.

‫بتوفير الوقود لدى طائراتنا، فبعض هذه المعارك وقع في مناطق غير بعيدة عن مطاراتنا، ما وفر كميات كبيرة من الوقود، أطالت زمن القتال في الجو، ومنحت طيارينا حرية المناورة والسيطرة والتفوق على طائرات العدو.

‫لقد قام طيارونا في إحدى المعارك، باعتراض الطائرات الإسرائيلية، وبلغ عددها 70 طائرة، اعترضوها في معركة مستقلة، وكان عدد طائراتنا مماثلاً، واحدة من معارك الجسارة والاقتدار، وقاتل الطيارون المصريون بمعنويات تكاد تعانق السماء، وحقق كل منهم عملاً بطولياً فريداً متميزاً، واستشهد البعض فدية للنصر، وكان أداؤهم من أنبل وأشرف الأداء.

‫طار الطيار المصري على ارتفاع أقل من ثلاثة أمتار حتى 4 أمتار، وألقى صواريخه على دفاعات العدو ومناطق حشد مدرعاته ومطاراته، بكل المفاجأة وأبعادها.

‫حدد المعدل العالمي للطيران من ثلاث حتى أربع طلعات للطيار، فقام طيارونا بست وسبع طلعات، وبعضهم قام بتسع.

‫ خسة إسرائيل

‫إسرائيل عجزت عن تقديم مفاجأة واحدة طوال حرب رمضان ضد قواتنا الجوية على جميع المقاييس العسكرية. ولكنها بعيداً عن المقاييس العسكرية، لجأت إلى أعمال الخسة والغدر، حين استعملت قنابل «الجوافة»، أو قنابل البلى الممنوعة دولياً، وهى قنابل ضد الأفراد، ولا يلجأ إليها إلا من هو على غرار إسرائيل وتاريخها الإجرامي، وليس العسكري.

‫لقد فاجأنا العدو عام 1967، بنوع معين من القنابل لم يكن مستخدماً من قبل، وهى قنابل الممرات، شحنة متفجرة ذات حربة في مقدمها تطلق أثناء الطيران الغاطس، أو من الطائرات التي تطير على ارتفاعات منخفضة جداً، فتحقق هذه القنابل، واسمها «كابم»، اختراقاً في الممرات وفجوات كبيرة بها، وبذلك تعطلت أكثر مطاراتنا.

‫عام 1973، عجز العدو عن استخدام هذه الأساليب، لأن عنصر المفاجأة تحول ضده، وكانت المبادأة في أيدينا باستمرار، ونطحت طائراته رأسها في الصخر وهى تهاجمنا، إذ اصطدمت بجدار البالونات فوق كل موقع أو هدف حيوي، وبيقظة المقاتلات المصرية، تعترضها وتسقطها، وبحائط الصواريخ المضاد للطائرات، فلجأت الطائرات الإسرائيلية مضطرة إلى الطيران على ارتفاعات عالية جداً، وكثيراً ما أسقطت حمولاتها فوق الصحراء.

النسور والعصافير

قبل المعركة، قال العدو إن الطيران المصري إذا فكر في الهجوم أو الدخول مع الطيران الإسرائيلي في معركة جديدة، فستكون أشبه بمعركة بين نسر وعصفور، وبالطبع يقصدوننا بالعصفور!!

‫إنه أحد ألوان النشاط الدائم والحرب النفسية التي مارسها ضدنا قبل معركة رمضان المجيدة.

‫إن الكلمة مهما بلغت من قدرة التعبير، لا تستطيع أن تصور مدى الشحن المعنوي لدى الطيارين قبل أكتوبر، وطوال فترة الحرب المجيدة.

‫لقد قام أحد الألوية الجوية بـ 2500 طلعة خلال أسبوع، ضد قوات العدو ومطاراته.

‫لواء آخر قام بـ 3400 طلعة خلال ثلاثة أسابيع، بل إن هناك لواء قام بخمسة آلاف طلعة خلال 17 يوماً من فترة الحرب.

‫وكانت الطائرات تقلع من دشمها قبل مرور 150 ثانية، وكثيراً ما أقلعت في 130 ثانية، يتخللها تلقى الإنذار، ثم تقويم الطائرة بالمقوم الكهربائي، وفتح باب الدشمة، سيرها على الممر الأول ثم الممر الرئيس، إلى أن تحلق في السماء.

‫قبل هذا يظل الطيار مربوطاً فوق مقعده بالطائرة داخل الدشمة، حتى يتلقى الإنذار.

‫الفانتوم والميغ

لقد جعل العدو من الفانتوم أسطورة، من ناحية التجهيزات التكنولوجية، ولكنها عجزت أمام الميغ 22 و17، وقد أسقطها طيارو تلك المقاتلات، ومن أبنائنا الأبطال الذين تفوقوا على تفوق التكنولوجيا الأميركية، ومعنى ذلك، التأكيد على قول الله عز وجل:

‫«كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين»، إنه الطيار في النهاية الذى يحسم الأمر، وليست الطائرة على الإطلاق.

‫وكما قيل في الأمس البعيد، ليس المدفع، بل الرجل الواقف خلفه.

‫وبهذه المناسبة، يحضرني قول رائع للمشير المرحوم أحمد إسماعيل علي: «السلاح بالرجل، وليس الرجل بالسلاح».

الضربة الواحدة

كان عدد طائرات ضربة السيطرة، أكثر من مئتي طائرة، وقد حققت الضربة الأولى أهدافاً، كنا نأمل تحقيقها في الضربة الثانية، ومن هنا، اكتفينا بضربة واحدة مركزة، خير من مئة ضربة ضعيفة.

‫لقد دربنا الطيارين طويلاً، وبثمن غالٍ جداً، وبالذخيرة الحية في ميادين تكتيكية، ولذلك كان قصفهم محكماً جسوراً مرتفع الكفاءة، وحصلنا على نتائج مذهلة، لم تحققها في أعنف مستويات التدريب، وتلك إضافة هامة، أضافها الرجال إلى فنون القتال.

‫وحين أصدرت الأوامر ببدء المعركة، كان تنفيذها بأسرع ما يتخيله العقل والمنطق. إنني أذكر أن السيطرة على الطيارين في الدقيقة الواحدة بعد الساعة 2 ظهراً، كانت شاقة للغاية، بل كانت شاقة قبل ساعة الصفر بوقت ليس بقليل، أمام الشحن المعنوي والعقائدي بالحرب وشرعيتها. قبل المعركة بأسابيع، والطيارون يعرفون أنها آتية حتماً، وبأسرع مما يتخيلون، فبقي أكثرهم بالقواعد دون أن يسمح لنفسه بزيارة أسرته أو منزله، وبعضهم كتب على صدورهم «لا إله إلا الله»، وبعضهم كتبها فوق غطاء الرأس، وسجلوا أحكام القصف، مع تفادي الكشف الراداري وأجهزة الإنذار المبكر، التي وضعها العدو بكثافة في الضفة الشرقية، وبلغوا عمق سيناء، فدمروا قاعدة ومحطة «أم مرجم»، رأس العدو، ومطار «المليز»، أكبر المطارات التي استخدمها في سيناء، فظل متعطلاً عن العمل أربعة أيام، ومحطة «أم خشيب»، التي تقوم بالشوشرة الإلكترونية.

‫خسائر ضخمة

دمرنا ما يقرب من 400 دبابة إسرائيلية، وكان طيارونا يقومون بست هجمات في الطلعة الواحدة، والمعدل هجمتان أو ثلاث هجمات في أقصى الظروف، إلى جانب معاونة الجيش الثالث البطل بطائرات الهليكوبتر.

‫وفى الثغرة، قام أبناؤنا بآلاف الطلعات، عبر فترة لا تزيد على 96 ساعة، تكبد العدو خلالها خسائر جسيمة، لم تكن في حساباته على الإطلاق.

‫وهذه الخسائر تحملها الأفلام التي التقطتها طائراتنا أثناء القصف في سجلات الحرب.

‫الروح المصرية العالية، جعلت العقاب الذي يوقع على الطيار أثناء الحرب، هو حرمانه من طلعة أو أكثر.

‫قلت لقائد قواتنا الجوية معلقاً: لقد غيّرت كثيراً من مفاهيم العسكرية، ووضعت علماء الاستراتيجية والتكتيك أمام حقائق جديدة، وكما قال القائد الأعلى «سيتوقف التاريخ طويلاً بالفحص والدرس أمام حرب السادس من أكتوبر».

‫إن حرب أكتوبر، ليست البطولات التي تحققت، وليست المعارك الضارية التي دارت فوق سيناء أو غرب القناة فحسب، بل هي برامج الإعداد بكل أحجامه، والتخطيط بكل أبعاده، والتدريب والتنسيق بين مختلف الأسلحة، ثم التجهيز والتنفيذ في النهاية، لنعزف جميعاً جواً وبراً وبحراً، سيمفونية مصرية لا نشاز فيها.

‫وتنتهي شهادة الرئيس الراحل محمد حسني مبارك، بطل القوات الجوية، عن نصر أكتوبر، والتي اختارها أيضاً، لتكون آخر تصريحاته التي بثها بالفيديو في أكتوبر الماضي.