على استحياء أشرقت شمس السادس من فبراير الجاري على أرجاء مدينة حيفا المحتلة، فالسماء تبدو حزينة، والأرض يوجعها الرحيل، كل التفاصيل في حي «الهدار»، حيث يقطن شادي البنا، تنذر بحدوث فاجعة، وباب محل بيع الورود ظل مغلقاً، وعلى مقربة منه تقف قطط الحي متوترة، وكأنها تنتظر خبراً سيئاً، حتى العصافير تعزف سيمفونية حزينة، فلم يكن شادي الذي اعتاد كل صباح إطعامها على عادته هذا الصباح، كان منزعجاً ومهموماً، تجاوز همّه حدود الوطن المسلوب، الذي رسمت حدوده صفقة القرن المشؤومة، منشغلاً قلبه بمحبوبته القدس، التي تآمر عليها المتآمرون.
عند باب الأسباط في القدس، تراكض الناس على وقع صليات من الرصاص، وكان شادي الهدف الضحيّة.
كانت معه كلبته السمراء «جيسيكا» في مشواره الأخير، وكانت شاهدة على أنفاسه الأخيرة التي التقطها قبل أن يودع الحياة شهيداً، وظلت فوق جسده، الذي مزقته رصاصات الاحتلال، قبل أن يطلق مسدسه، الذي أصابه عطل مفاجئ رصاصة واحدة تجاههم.
ظل جثمان الشهيد شادي البنا محتجزاً لدى قوات الاحتلال لأكثر من أسبوع، قبل أن تسلمه لذويه بشكل مفاجئ وإجبارهم على دفنه فور تسليمه، بجنازة صامتة، وبمشاركة نحو 35 شخصاً من أقاربه.
في المقبرة الإسلامية في مدينة حيفا المحتلة عام 1948، ووري جثمان الشهيد بائع الورود الثرى بصمت، من دون أن تنثر على جثمانه الورود.
ليس غريباً على شادي البنا أن ينتفض بجسده نصرة للقدس وفلسطين وهو في نصف العقد الرابع من عمره، فقبل نحو 27 عاماً كان يتجول برفقة اثنين من أصدقائه في سوق مدينة الناصرة مسقط رأسه، استفزه منظر الجنود، فهاجم أحدهم وخطف منه سلاحه بعد أن انهال عليه بالضرب، وتمكن شادي من إخفاء السلاح لمدة شهر، واعتقل ورفاقه على إثر ذلك وقضوا حكماً بالسجن ثلاث سنوات.
ينتمي شادي إلى عائلة مسيحية تربطها بالمسلمين علاقات مودة واحترام، ولم تمانع قرار ابنها باعتناق الإسلام واحترمت خياره، فقبل نحو 20 عاماً أشهر شادي إسلامه، فيما بقيت زوجته وابنه على دينهما.
برحيل شادي سيفتقده الكثيرون، وستفتقده طفلة أردنية مصابة بمرض السرطان تخضع للعلاج في المستشفيات الإسرائيلية كان قد تبناها، ولأنها أحبته كثيراً، لم يجرؤ أحد حتى اليوم أن يخبرها بأن شادي ذهب ولم يعد!
