«مصطفى».. ظِل يلازم المتظاهرين

مصطفى كان شجاعاً وحريصاً، ويتميز بروح التضحية، كما هم أقرانه في ساحات التظاهر، وربما هو أكثر، فقد كان مستعداً على الدوام لافتداء الآخرين.

امتاز بروح وطنية عراقية، وهو الذي الشاب اضطرته الظروف المعيشية أن يشتغل عاملاً في سوق «الشورجة» ببغداد، ويواصل تحصيله الدراسي في الدوام المسائي، ومع انطلاق انتفاضة أكتوبر، التحق مع أخويه في ساحات التظاهر والاعتصام، واختار العمل في الإسعاف الطبي، حيث دخل دورة تأهيلية، لينضم إلى المفارز الجوالة، لكنه قتل في التظاهرات.

يقول صديقه الدكتور أحمد، من مركز الاعتصام في ساحة التحرير، والحزن يكاد يخنقه: «كان جالساً معي قبل أقل من ساعة على مقتله، قال لي: دكتور، أُصاب أنا وأقع أمامك، ولن أدع أي أذى يصيبك».. هذه الكلمات كان يرددها دائماً، فأقول له: لا يجوز أن تتحدث هكذا، ما يصيبك يصيبني، وإذا حدث أي شيء لنقع معاً، فيرد مصطفى: أنا مجرد عامل بسيط، وأدرس مساءً، ولكنك عنصر مهم في المجتمع، ويجب أن أكون أمامك في أي طارئ.

يضيف أحمد: «هذا الشاب العشريني تعرفت عليه قبل مدة قصيرة، لكنني أحسبها عمراً كاملاً وأنا أعرفه... كان يأتيني ويقول: نطلع مفرزة جوّالة؟ وعندما يكون ردي بالإيجاب، يطلب مهلة قصيرة»، ويتابع «دقائق، سأحضر أجهزتي واحتياجاتي».

تأنق ما قبل الرحيل

يتابع الدكتور أحمد: مصطفى كان يحبني، يريد دائماً أن يبقى معي في المفرزة ليلاً، انظر إليه. بين فينة وأخرى «يفزّ» في نومه، ويستيقظ.

ويتحدث الدكتور أحمد بألم: في ذلك اليوم «الأخير»، قال لي: سأذهب إلى صالون الحلاقة لأزيّن شعري، وأرتّب نفسي، وأعود عصراً أو مساءً، وعندما رجع كان متأنقاً ومتألقاً، وكأنه ذاهب إلى حفل عرس. ودعته وقلت له أنا ذاهب في إجازة، كن حريصاً على نفسك يا مصطفى، فردّ «تتدلل يا دكتور». وبعد أقل من ساعة اختارته إحدى رصاصات الغدر واستقرت في رأسه.

علم الدكتور أحمد بما حدث، فقطع إجازته وعاد إلى ساحة التحرير، ثم اصطحب مجموعة من المتظاهرين، وذهبوا إلى بيت مصطفى، وكان المشهد مأساوياً في ذلك البيت المتهالك، وكانت الأم في حالة يرثى لها، حيث سبق أن قتل اثنان من أبنائها، ومصطفى هو الثالث والأخير، ذهب وتركها وحيدة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات