«الجمّيزة».. شارع تراثي يحكي قصة بيروت العتيقة

هو أحد الشوارع في منطقة الأشرفيّة، التي تبدو، بمركزيّتها في قلب بيروت، مدينة قائمة بحدّ ذاتها، وهي في الوقت نفسه تشبه شيئاً من القرية.. شارع الجمّيزة «العتيق» ذو الطابع التراثي، بأمسياته التي لا تنام.. وفي الأسماء تكمن حكاية شارع فريد، تشير هويته إلى أنّه من أقدم الشوارع في العاصمة التي لطالما برعت في إعادة صوْغ البدايات، والأكثر شبهاً بها، وشاهدٌ على متغيّراتها كلّها في الأزمان الغابرة، الذي يوازي اسمه شوارع: «سوهو» في لندن، و«شانزيليزيه» في باريس، و«فيا فنيتو» في روما.

البيوت القديمة، والأخرى التراثيّة «الهاربة» من فورة العمران العشوائي، بقناطرها الثلاثيّة وأسقفها القرميديّة الحمراء، بأبوابها العتيقة، ونوافذها الخشبيّة المهترئة، وتلك المجدّدة، بشرفاتها المستديرة، بأزقّتها المظلّلة بالأشجار.. كلّها تواجه من يتأمّلها بتفاصيل تشير إلى معانٍ خفيّة ويوميّات تتحرّك على إيقاع الناس وأنغامهم الشخصيّة، في شارع تلوَّن وتوسَّع وتوافد إليه أناس جدد، إلا أنّه لا يزال «مصرّاً» على البقاء في إطاره الأصلي الذي يعود إلى أكثر من مئة عام، وخشيته الأولى من الزمن. أما خشيته الكبرى فمن أبراج تحجب عنه السماء والحياة، في ظلّ عاصفة من الإسمنت تحيط بأهل المدينة فترسم حدوداً قاسية للعين لا يمكن تجاوزها بسهولة.

أصل الحكاية

سنون طويلة مرّت على هذا الشارع، تركت بصماتها على جانبيه، وأخذت معها ذكريات لكثيرين عاشوا زمنه الجميل.. هنا، ترى الحالم على أنقاض «يلّي راح» والحالم على أوهام «يلّي رحْ يِجي»، ترى الذاهب إلى الجامعة والمعهد والخارج من نوادي الليل الساهرة بعيون حمراء.. هنا، كان مقصد الفنّان الفرنسي باتريك بلان، العالم بأسرار النباتات، حيث نفّذ أول حائط أخضر له في العالم العربي، بارتفاع ثمانية أمتار. وهنا أيضاً، لا تنتظر الشمس طويلاً كي تشرق على الأرصفة المتراصّة على حكايات تاريخ له هيْبة.

يطلّ على وسط بيروت من جهة الشرق، «مفاخراً» بأنّ رئيس رئيس جمهورية فرنسا الراحل الجنرال شارل ديغول كان يقيم، خلال وجوده في لبنان من حين إلى آخر، في أحد قصوره، الذي كان ملكاً لعائلة «برنار» الفرنسيّة، وهو القصر الذي سكن فيه أيضاً المندوب السامي للانتداب الفرنسي على لبنان وسوريا الجنرال هنري غورو، الذي تولّى إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920 بعد فصله عن سوريا.

ورغماً عن هذه المتغيّرات، التي «تضجّ» بأسماء المطاعم والمقاهي والحانات ذات الطراز الحديث التي باتت منتشرة على امتداده، وحوّلته منذ بداية عام 2000 إلى قبلة للسهر، مرفقةً بكامل «الأكسسوارات»: الموضة والأزياء الحديثة والغريبة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات