مع تأكد الأنباء أن مدينة معرة النعمان الاستراتيجية باتت في قبضة الجيش السوري وحلفائه، لا بد من استرجاع تاريخي لهذه المدينة، التي عاشت اليوم حالة شبيهة بالماضي.

ما يحدث اليوم في المدينة، وهي مدينة الشاعر والفيلسوف أبو العلاء المعري صاحب رسالة الغفران، وأحد أهم رموز الشعر العربي والإسلامي، يحمل إسقاطات تاريخية على هذه المدينة في إطار مقولة التاريخ يكرّر نفسه في إطارات مختلفة.

تقول الرواية التاريخية، إن القائد صالح المرداسي، صاحب أقوى دولة في سوريا على أنقاض الدولة الحمدانية في حلب توسع في السيطرة على مناطق الشمال، وفي إطار توسع الدولة المرداسية كما يسميها بعض المؤرخين كان لا بد أمام االمرداسي من ضم معرة النعمان.

تخوم المعرّة

حين وصل جيش المرداسي إلى تخوم معرة النعمان، أرسل لهم رسولاً يقول إن عليهم تسليم المدينة تجنباً للقتال. فما كان أمام أهالي المدينة، إلا الاستنجاد بحكيمهم وفيلسوفهم أبو العلاء المعري، وطلبوا منه الخروج لملاقاة المرداسي وأن يطلب منه إخراج المعرة من خريطته التوسعية.

تحاشى المعري الدخول في نقاش أو مواجهة المرداسي، كونه طاعناً في السن وخشي الإهانة على يد قائد عسكري لا يعرف إلا لغة الحرب، لكن ضغط ذويه وأهالي المدينة دفعه للذهاب إلى خيمة المرداسي على تخوم المدينة.

ركب المعري دابته واتجه خارج المدينة للقاء المرداسي والقلق ينتابه من المجهول، وحين وصل إلى خيمة القائد العسكري، كاد أحد الجنود أن يضرب المعري، لكن جندياً آخر نبهه إلى خطورة ذلك، وقال:«قائدنا يجلّ العلماء ولو كانوا خصومه».

دخل الجندي وأبلغ صالح بأن شيخاً يقول إنه شاعر ويسمى أبا العلاء المعري يريد مقابلتك.

الشعر والقوة

نهض المرداسي وقال: «شخصية كالمعري لا يأتي إلينا، بل نحن من يذهب إليه». وهنا دار حوار بين المعري والمرداسي، على شكل قصيدة انتصر فيها عقل المعري على قوة القائد العسكري وجيشه بكلمات فحواها:

- سمعتُ بأنك توفيت أيها العالم الجليل؟

- سأموت غداً يا سيدي.

- لست سيدك وما كنتُ سيداً على العلماء. قل ما تريد وطلبك مجاب.

فأنشد المعري آخر ما قاله من شعره العميق:

ولما مضى العمرُ إلا الأقل

وآنَ لروحي فراقُ الجسد

بُعِثتُ شفيعاً إلى صالحٍ

وهذا من القومِ قولٌ فسد

فيسمعُ منيَ سجْعَ الحمام

وأسمعُ منه زئيرَ الأسد

قصيدة مؤلمة

كانت نهاية القصيدة مؤلمة بالنسبة للمرداسي، خصوصاً وصفه بالأسد أمام الحمامة. فما كان من المرداسي، الذي طالما احترم العلماء، أن أقبل نحو أبي العلاء وقبله مردداً.. نحن الحمام وأنت الأسد.

وكان تدخل أبو العلاء بمثابة الإنقاذ لأهل المدينة، لأن المرداسي تراجع عن قرار دخول المدينة وأوعز لجيشه بالمغادرة فوراً.

اليوم لم تبق معرة النعمان ملكاً لأهلها، بل لكل إرهابيي العالم الذين صالوا وجالوا على كل الأراضي السورية التاريخية واعتبروها ملكاً لهم، وقد كان أول شيئ فعلوه حين دخلوها تدمير تمثال أبو العلاء المعري. وها هو الجيش السوري يصلها أخيراً.