94 يوماً من عمر الاحتجاج الشعبي في لبنان ضد السلطة ورموزها، وما زالت ساحات التظاهر تنتج أناشيدها وشعاراتها وأغانيها، والتي توحدت كلها لهدف واحد: ثورة.. أما «هو»، الذي تم تصنيفه في خانة مجموعات صغيرة استقدِمت من خارج الأطر التنظيمية للمحتجين، ولهدف محدد، هو مواجهة قوى الأمن لإجهاض الحراك، فاختار أن يقصد وسط بيروت برفقة «مقلاعه»، للتعبير عن الغضب المطلوب، وفق رؤيته ربما أو تنفيذاً لتعليمات ما، المترافق دوماً مع إطلاق الشعارات في كل اتجاه، بدءاً بـ«الشعب يريد إسقاط النظام»، مروراً بـ«ثورة، ثورة سلمية»، ووصولاً إلى «كلن يعني كلن».

هي «ثورة المقلاع» لن تهدأ على الإطلاق قبل أن يحقق اللبنانيون أهدافهم وهي «عبثية الحراك تنعكس في عدم الالتزام بكل ما هو تقليدي، ما يقلِق السلطة ويحقق الهدف». يؤكد الشاب العشريني الآتي من مكان بعيد، مفاخراً بكونه ابتكر ظاهرة جديدة على المشهد المثقل بالفوضى، للتعبير عن الغضب ولإشعال روح الحماسة في قلوب المحتجين في آنٍ، بعيداً عن إطلاق أبواق السيارات العابرة هنا، وقرْع الطناجر هناك.

و«المقلاع» عبارة عن حبل له طول معين، يعقده صاحبه من طرفيْه ثم من منتصفه بطريقة معينة تسمح بوضع حجر في عقدة المنتصف، ثم يمسك حامله طرفيه، ويبدأ بالتلويح به بشكل دائري فوق رأسه، وبعدها يترك أحد الطرفين فينقذف الحجر باتجاه هدفه.

ساحة حرب

وتحقيقاً لهدفه، قصد ساحات وسط بيروت، حيث الواجهات الساكنة، غير آبهٍ بالحراس، الذين يحيطون بالمكان الذي استحال في لحظات إلى ساحة حرب فعلية: مفرقعات نارية من مختلف الأعيرة، رشْق بالحجارة، تخريب في الممتلكات العامة والخاصة، حرْق خيم، تعرض للإعلاميين، وجرحى بالعشرات في صفوف المتظاهرين والقوى الأمنية.

الظاهرة الجديدة على مشهد الحراك، في يومه الـ94، أمس، أعادت إلى الأذهان، وإن بفارق الأهداف والأعداء المفترضين، محطات فلسطينية، منذ «انتفاضة الحجارة» عام 1987، وصولاً إلى «مسيرة العودة الكبرى» عام 2018، حيث حضر المقلاع كونه أداة نضال فلسطينية، تطلق حجارة الغضب في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. وما جعل «المقلاع» رمزاً للمقاومة الفلسطينية الشعبية، أنه وُثِق في الأدب الفلسطيني المقاوم، وجُسِد في أشعار المقاومة والأعمال الفنية والمسرحية.

تشويه الحراك

وفي مفارقة ما بين المشهدين، فإن من حمل المقلاع في وسط بيروت هو بحسب الناشطة ليال، ممن شوهوا صورة الثورة وصوتها، فـ«الثورة وأبناؤها لا يشبهونهم».

وتتابع لـ«البيان»: «نحن أبناء الدولة والقانون ومكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة واستعادة لبنان من حفنة السياسيين التي دمرته. أما هم، البرمائيون المغطسون بثوب ثورة، من حيث ما أتوا، دمروا شوارع المدينة، وتعدوا على الأملاك الخاصة والعامة، بفوضوية مطلقة، بعيداً عن القانون، وبعيداً عن يوميات من صدحت أصواتهم في الشوارع».

وفي المحصلة، هو صراع بين مشهدين، لكن خيط الأمل في هذه المسيرة ليس رفيعاً، وفق تعبيرها، إذ «نحن لسنا من الأشخاص الذين يحملون المقلاع في مدينتنا، ولن نكون».