68 يوماً من عمر الحراك الشعبي في لبنان، وما زالت الناشطة عليا الخالدي تتنقّل برفقة «مقلاتها» أينما حلّت، بين ساحات التظاهر التي أنتجت أناشيدها وشعاراتها وأغانيها.

والتي توحّدت كلّها لهدفٍ واحدٍ: ثورة.. أمّا هي، فتمايزت عن الآخرين بـ«الطرْق على المقلى»، لإحداث الضجيج المترافق مع إطلاق شعارات التغيير في كلّ الاتجاهات، بدءاً بـ«الشعب يريد إسقاط النظام»، مروراً بـ«ثورة، ثورة سلميّة»، ووصولاً إلى «كلّن يعني كلّن.. و(الرئيس المكلّف) حسّان دياب واحد منّن».

هي «ثورة المقلاة» لن تهدأ على الإطلاق قبل أن يحقّق اللبنانيّون أهدافهم من كبرى حراكهم الشعبي.. تؤكّد الخالدي التي ابتكرت «إيقاع» ثورتها المرتجل لإشعال روح الحماسة في قلوب المنتفضين المشاركين في التظاهرات، إلى جانب من اختاروا إطلاق أبواق السيارات العابرة هنا، ومن قرعوا الطناجر هناك.. ومن دون ملل، وتحقيقاً لهدفها، لا تزال تجوب الساحات لتحفيز الناس.

وغالباً ما تقصد أماكن التظاهر غير المكتظّة، وتحديداً حيث الواجهات الساكنة التي لم يكن ممكناً في السابق استفزاز الحياة منها ولو قرْعاً.

وذلك، وسط تداخل صوت الطرْق على «مقلاتها» بأصوات بائعي الذرة والفول الذين يضربون بملاعق كبيرة على طناجر السلْق حيناً، وبقرقعة النراجيل وطقطقة الفحم المشتعل أحياناً، وبالهتافات والشعارات في أغلب الأحيان، تتخلّلها أصوات حلقات النقاش والتداول في شؤون الثورة والبلاد.

عبثية الثورة

ولكي يكتمل المشهد، تنضمّ إلى المتظاهرين الشابّة رنيم التي اختارت القرْع على آنيّة حديد مجوّفة، تُستخدم عادةً في مواد البناء. فـ«عبثيّة الثورة وعفويّتها تنعكس في عدم الالتزام بآلات موسيقيّة تقليديّة»، وفق تعبيرها.

أما لجهة ظاهرة قرْع الطناجر، فتشير الناشطة ربى لـ«البيان» إلى أنّها« ليست جديدة، لا على لبنان واللبنانيّين، ولا العالم أجمع، فـالعديد من الحركات والثورات الاجتماعية قرعت الطناجر للدلالة على حالة الفقر التي تعيشها المجتمعات»، و«قد استُعملت الطناجر في أيام ثورة لبنان، الممتدّة من 17 أكتوبر الماضي وحتى إشعار آخر، لنفس الأهداف التي قُرِعت من أجلها الطناجر في العالم سابقاً:

جوع وفساد وظلم، وطبقة حاكمة تعيش في غربة عن شعبها، وتصمّ آذانها عن مطالبه». لكنّ خيط الأمل في هذه المسيرة ليس رفيعاً، «إذ لا حلّ، سوى أن يكون أملنا قوياً في هذا المجال لتحقيق هدفنا»، وفق تعبير ربى.

قرع سابق

وتجدر الإشارة إلى أنّ الطناجر في لبنان قُرِعت سابقاً لأهداف أخرى. ففي العام 1916 وإبّان الحرب العالمية الأولى، غزت أسراب كبيرة من الجراد لبنان، وقضت خلال سنتين على الأخضر واليابس، فعمل سكان لبنان على إثارة الضجيج لإبعاد الجراد عن مزروعاتهم، فقرعوا الطناجر وإنْ لم يفلحوا، فكانت المجاعة الكبرى التي ذهب ضحيتها أكثر من ثلث شعب لبنان آنذاك.

وبين الأمس واليوم، تقول ربى لـ «البيان»: «لقد أردناها طريقةً تُحدث ضجيجاً وتوقظهم من غفوتهم، وفي الوقت عينه أن تكون سلميّة»، وتلاقيها عليا، وهي تستعدّ للقرْع على «مقلاتها» في ساحة جديدة، إلى جانب حَمَلة الأدوات المطبخيّة الأخرى بالقول: «إذا ما رحْ يخلّونا نحلم، ما رحْ نخليون يناموا، وبدنا نمنعهم يبيعونا حكي فاضي».