كان الحزن يخيّم ثقيلاً على بلدة بيت عوا الغافية في أحضان مدينة الخليل، عندما انتشر خبر استشهاد بدوي خالد مسالمة (18 عاماً)، شاب في ربيع العمر من أبنائها.
القرية بدت حزينة وباكية، على رحيل الشاب الذي كان قد غادر منزل عائلته ظهراً، بعد أن حضّر بنفسه طعام الغداء لإخوته الذين يكبرهم، وعاد إليهم محمّلاً على الأكتاف.
جلس والد الشهيد بدوي، وحوله أبناؤه الستة (بنتان وأربعة أولاد) وإخوته وأقرباؤه، يستقبلون المعزّين باستشهاد ابنهم. كان الصمت، وملامح الوجوه تشي بحجم الحزن والألم الذي خلّفه رحيل هذا الشاب الوسيم والحالم، الذي كان يضع قدميه على بدايات الحياة العملية والمهنية.
غير أن ثقل الأحزان لم تُخرج المشاعر وتُجرّد العقل من الحقيقة القاسية التي تعيشها بلدة بيت عوا، والتي جعلت من حادثة استشهاد مسالمة جزءاً من سياق عام، يُجمع عليه الفلسطينيون في قضية واحدة مشتركة، وهي من هُجّر منهم من أرضه، ومن بقي عليها يواجه كل يوم زحف السرطان الاستيطاني، من غاب منذ عقود خلف قضبان السجون، ومن بقي يحمل همّ الغائبين والحاضرين في الأرض والذاكرة.
كان الشهيد بدوي تخرّج قبل أشهر في مدرسة ذكور بيت عوا، حيث نجح في الثانوية العامة، وأخذ يبحث عن عمل يعينه على توفير قسط دراسته الجامعية، إلى جانب إعالة أسرته.
عمل في بيع «الذّرة» متنقلاً على عربة خشبية أعدّها لهذا الغرض. وكما يروي ابن العائلة خضر مسالمة لـ«البيان»، فقد كان محبوباً من أهالي البلدة، وعلاقته قوية مع أبناء عائلته، كان دمثاً في أخلاقه، لافتاً إلى أن استشهاده أصاب جدّه وجدّته بصدمة نفسية قوية، استدعت نقلهما إلى المشفى.
قبل استشهاده بيوم، اشترى مما وفّره من عمله، غرفة نوم لشقيقه الأصغر أحمد، وركّبها بنفسه، ويوم استشهاده كان متدفقاً بالحيوية والنشاط، وأخذ يداعب إخوته الصغار، حضّر لهم الغداء، استحم وخرج من المنزل، وكانت آخر كلماته لأمه: «بخاطرك يمّة.. أنا ذاهب كي أقص شعري».
ومع هبوط الليل، كانت قوة من جيش الاحتلال تداهم البلدة، وتطلق النار بشكل عشوائي، بحجة تعرضها لهجوم بالزجاجات الحارقة، فأصابت رصاصة قنّاص قلب بدوي الغض، ليرتقي شهيداً على الفور.
حزن الأب
«أنا حزين، بل يسحقني الحزن، على فقدان ابني، لكني عندما أفكّر في الأمر قليلاً، أتفهم هذا المصير، الذي قد يواجهه شبابنا في أي لحظة، طالما الاحتلال يجثم فوق صدورنا»، قال والده، الذي بدت كلماته بليغة في التعبير عن تشابك الحالة الفلسطينية، التي قد تدفع أحياناً بجيل الشباب، لترك أحلامهم جانباً، والمضي في الاحتجاج على استمرار هذا الاحتلال، ما يجعلهم عرضة، للقاء مصير بدوي، وغيره.
في الأثناء، تحوّل كلام والدة الشهيد في بيت العزاء، إلى ما يشبه الانفجار، الذي ظهر صدى صوته مدويّاً، على ألسنة المئات من الحاضرين، وتعابير الغضب في وجوههم، إذ راح كل واحد منهم يروي حكاية مكمّلة للأخرى، عن اعتداءات الاحتلال، وجرائمه اليومية بحق الفلسطينيين.
قالت الوالدة المكلومة: «الله يرضى عليه، أسعدنا في حياته، وأبكانا على رحيله.. نجح في الثانوية، وكان يخطط لإكمال دراسته الجامعية، البيت بدونه فاضي، والحياة ما إلها طعم، ربنا اختاره شهيد، وإحنا مؤمنين بحكمه».
