انتزع المترشح الحر عبد المجيد تبون، لقب ثامن رئيس جمهورية للجزائر المستقلة، بالرغم من استثنائية الوضع، وبغضِّ النظر عن التحفظات التي رافقت المسار الانتخابي، فإنّ الرئيس الجديد يتطلع إلى تحقيق التغيير الفعلي وإحداث القطيعة الكلية مع النظام السابق، وهي الحقيقة الواقعية التي يجب اليوم على كل الفرقاء الاقتناع بها للدفع بالبلاد نحو الأمان.
الطمأنينة
المتشائم بخصوص الوضع العام في الجزائر، لا يمكنه سوى أن يشعر ببعض الطمأنينة بعد خطاب تبون، الذي أبرق الكثير من الومضات التي تبعث على التفاؤل؛ فالرئيس حريص على الإسراع بتجاوز الوضع السياسي الراهن، ومنها صياغة دستور دائم متوازن للبلد تمهيداً لتحرير عقد اجتماعي، وسيكون تبون في اختبار حقيقي للالتزام بهذا الخيار، لا سيما وأن الطبقة السياسية التي كان من الممكن أن ترافقه في الإصلاحات، لا تزال هشة، حيث أثبتت الانتخابات مدى محدوديتها في الدفع بالاستحقاق إلى الأمام، ناهيك عن خلافاتها الداخلية التي أدت إلى تمرد في صفوفها، وهذا ما حدث فعلاً للحزب الحاكم، حزب جبهة التحرير الوطني الذي فضل تزكية مرشح غريمه حزب التجمع الوطني الديمقراطي، وهو عز الدين ميهوبي، دون ترشيح تبون الذي كان سابقاً عضواً فاعلاً في الحزب، إلا أن أعضاء في الحزب أعلنوا الانشقاق ودعمهم تبون.
لذلك فلن يجد تبون وسيلة سوى إعادة تأسيس مجالس منتخبة بتزكية من الشعب على اعتبار أن البرلمان الحالي بغرفتيه يحمل بصمات الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة، فبناء الدولة المدنية يمرّ حتماً عبر التنافس الآمن بين أحزاب تمثيلية، تؤطر وتمثل بحق أهم القوى الاجتماعية الحية المهتمّة بالشأن العام.
أعباء ثقيلة
فالرئيس الجديد سيجد نفسه في وضع لا يحسد عليه، فهو سيتحمل أعباء ثقيلة ناجمة عن تفسّخ الدولة خلال الفترة الأخيرة من حكم النظام السابق، ناهيك عن أزمة موارد مالية، ما يستوجب عليه ترتيب الأولويات بشكل دقيق. لكن إصراره على مواصلة الحرب على الفساد مع وضع آليات لاسترجاع الأموال المنهوبة، خطوة ستعزز موقع الرئيس الجديد شعبياً، مع استئناف مشاريع التنمية المعطلة.
وفي الجملة، يكون لزاماً على الرئيس الجديد أن يلتفت أيضاً إلى باقي الكتلة الصامتة التي لم تشارك، وألا يغلق الأبواب أمام جزءٍ كبيرٍ من جمهور الحراك، وأن يبادر إلى فتح قنوات حوار هادئة وجادة، والنقاش بقلب مفتوح وروح مسؤولة لتحقيق الهدف المنشود، وهو تحقيق التغيير دون الإخلال بالتزاماته الأخرى.
والمطلوب اليوم من الحراك أيضاً إدراك قيمة الواقعية في التعاطي السياسي، ربحاً للجهود الضائعة وعدم المغامرة بالقفز فوق حبال المجهول، فقد آن الأوان لانتقال الحراك في الجزائر من عقل الشارع إلى عقل النخبة، أو الانتقال من قوة رفض في الشارع، إلى قوة اقتراح ومشاركة في دوائر صنع القرار، فالجزائر تجاوزت الامتحان الصعب بحكمة، لكن لا يزال المشوار طويلاً لتحقيق القطيعة كلياً مع النظام السابق. لقد خرجت البلاد من عنق الزجاجة، والسلطة مقبلة على تجربة فريدة في إعادة بناء مؤسسات الحكم.
