استباحت الحرب كل شيء في حياة السوريين، كرامتهم وعيشتهم ونومهم ومأواهم، فأصبحوا في مهب الريح، لا يعرفون مصيرهم وإلى أين ينتهون.
قصة سعاد نموذج واقعي لآلاف السوريين المشرّدين والمعذبين. هذه المرأة فقدت بصرها قبل بضع سنوات، وخسرت منزلها وعائلتها، لتبقى وحيدة في مدينة لا تعرفها ولا تعرف أياً من سكانها. لا تملك سوى الانتظار دون أن تعرف ماذا تنتظر ولا من تنتظر، لتبقى صفحة الحياة أمامها مفتوحة على المفاجآت.
هُجّرت سعاد بسبب الحرب من الحسكة قبل بضع سنوات، ولم تحمل معها شيئاً من منزلها الذي تهدّم في هجمات تنظيم داعش الإرهابي، وقصدت دمشق بحثاً عن الأمان، ولكنها لم تكن تملك أي أقارب أو معارف لها في العاصمة، باستثناء صديقة قديمة كانت تقيم في مخيم الوافدين، سافرت هي الأخرى بسبب الحرب إلى خارج البلاد، ولأنها لم تكن تملك أي سبيل لمساعدة صديقتها، منحتها منزلاً شبه مهدّم في منطقة الدويلعة كي تقيم فيه سعاد وتحاول تأمين أمورها.
شبه منزل
لم تجد في المنزل الجديد سوى السقف الذي يحميها من البقاء في الشارع، وما عدا ذلك لم يمنحها أي دفء أو خصوصية، ولم يحمها حتى من غزوات الحشرات والقوارض، وبمساعدة بعض الجيران سدت بعض الجدران ووضعت ستارة بدلاً من باب البيت، وحصلت على بعض الوسائد وفرشة عتيقة أصبحت هي كل ما تملك من أثاث.
تقول سعاد لـ«البيان» إن معاناتها لا تقتصر على عيشتها السيئة وانعدام أي دخل، إذ تقول: «أصبحت فجأة مقطوعة من شجرة، فعائلتي سافرت إلى خارج سوريا، على أمل إيجاد علاج لأخوتي الستة، فهم أيضاً مصابون بشبكية عيونهم، ويعانون العمى مثلي، ولم تستقر أمورهم بعد كي يتمكنوا من مساعدتي».
طرقت سعاد باب كل الجمعيات، ولم تتلقَّ إلا الوعود، حتى علمت بحالتها أخيراً جمعية في جرمانا، وقررت تقديم يد العون لها، ومنحها بعض المساعدات، خاصة أن وضع سعاد قد يصبح أسوأ في قادم الأيام مع اشتداد البرد والمطر.
يوميات سعاد الممتلئة بالعتمة بسيطة، فهي تتحرك داخل منزلها الذي حفظت أبعاده وتقضي غالبية وقتها بصمت، إلا من بعض الأحاديث حينما تزورها إحدى الجارات وتقدم لها شيئاً لتأكله، وفي الغالب تجد نفسها مضطرة إلى أكله مباشرة، فهي لا تملك براد في منزلها، وتخاف من مشاركة الجرذان لها في طعامها، باعتبار أن البيت غير مجهز بصرف صحي.
تقول سعاد إنها تعاني اليأس بسبب ظروفها، ولا تملك أي حل لمساعدة نفسها في الخلاص من محنتها، سوى مساعدة الناس لها ووجود المحبين حولها الذين قد يساعدونها في الوقوف على قدميها ثانية، وربما في تعلم مهنة تحصل من خلالها على بعض الدخل بدلاً من البقاء بانتظار التبرعات، خاصة أن جميع من حولها من الجيران يعانون ظروفاً اقتصادية صعبة، وهم غير قادرين على مساعدة أنفسهم كي تحملهم عبء ظروفها وتطلب منهم المساعدة.
حنين إلى العودة
تحنّ سعاد إلى أيام الحسكة وجو العائلة، وتدرك بأسى أن تلك الأيام باتت بعيدة ولن تعود، وحتى بلدتها لن تقدر على الوصول إليها ثانية بعدما خسرت كل شيء فيها، ولم يعد لها في هذا البلد أي شيء.أما الآن فهي تعيش في أرياف دمشق في بيت لا يكاد يحميها اليوم من برد الشتاء، فلا مقومات تمكنها من العيش سوى الجدران، أما الدفء والتخلص من السؤال فهو أكبر همومها وسط زحام هموم السوريين الفارين من الحرب.
