الأردن

الباكستانيون في الأغوار.. نصف قرن من الاستقرار

عامل باكستاني في إحدى المزارع الأردنية بالأغوار | من المصدر

«منذ نصف القرن متواجدون في الأردن، منذ عام 1967 قرر أبي وعدد كبير من أعمامي الانطلاق من باكستان والتوجه إلى الأردن، للبحث عن العمل والاستقرار في منطقة تعد جديدة بالنسبة لهم، ومرت الأجيال وما زلنا نحدث أنفسنا بالعودة المحالة، ونحن ندرك أننا أصبحنا غرباء ولن نستطيع التأقلم في حال عدنا».

الباكستاني يوسف رجب علي سندي (31 عاماً)، الذي يعمل في منطقة الأغوار الوسطى في مجال الزراعة، يقول إنه ولد في الأردن، ويعرف هذه البلد بكل تفاصيلها، ولو شاء القدر وتوجه إلى وطنه الأم فإنه سيضيع من دون شك هناك. يقول: باكستان وطني ولكن ما أحمله في ذهني وقلبي قليل مقارنة مع جيلي المتواجد هناك، إنني أعترف أن هنالك ما يمكن وصفه بـ«الانفصال الثقافي»، الذي حدث نتيجة استقرارنا لسنوات طويلة وانقطاع الزيارات بيننا وبين القبيلة.

يوسف كغيره من الشباب المتواجدين في الأغوار الوسطى يعملون في زراعة الخضراوات المختلفة بحسب المواسم، وتعمل أيضاً الفتيات والأمهات في ذات المهنة بحثاً عن الرزق. والأطفال يلتحقون بالمدارس لمراحل محددة، وينضمون تباعاً إلى أسرهم العاملة في زراعة وجمع المحاصيل وغيرها من تفاصيل المزارعين.

عرائش

يعيشون في هذه المناطق في عرائش يسهل فكها وتركيبها أينما ارتحلوا، يعلق يوسف: حياتنا تشبه حياة البدو، نرتحل كثيراً وأيضاً نربي الأغنام، وبالتالي فإننا من الصعب أن نتزوج من فتاة لا تحمل جنسيتنا لأنها من الصعب أن تتكيف مع نمط معيشتنا. نحاول جاهدين المحافظة على تراثنا الباكستاني ونعلم الأطفال اللغة السندية قراءة وكتابة، ولكن باكستان ذاتها يوجد بها عدد كبير من اللغات بحسب الإقليم، لذلك فإن اللغة العربية جمعتنا جميعاً حتى يصبح تواصلنا أسهل وأسرع.

يعبر يوسف عن خوفه على الأجيال الحديثة، ويشير إلى أن مدى تعلقهم في باكستان يكاد يكون معدوماً، فأولوياتهم الآن تشابه أولويات الشباب الأردني، ولا يمكن منعهم من بناء شبكات علاقات والتطور في ذلك، فمعظم الأسر لا ترغب في العودة إلى الباكستان وخاصة أنهم اندمجوا في المجتمع الأردني وأصبحوا جزءاً أصيلاً منه.

ورغم استقرارهم منذ ما يقارب 50 عاماً، إلا أنهم يعانون الكثير من المشاكل التي تتعلق بالعمالة الوافدة من بينها البحث عن الكفيل بشكل دائم إضافة إلى عدم قدرتهم على العمل خارج نطاق الأعمال الزراعية وفقاً لتصاريح العمل الخاصة بهم. يقول: لقد استكمل عدد كبير من الشباب تعليمهم الجامعي ولكن تظل عقبة تصاريح العمل ماثلة أمامهم، ويبحثون عن حلول بشكل دائم. ويبين يوسف أن من أبرز العوائق التي تهدد استقرارهم هي عدم توفير تأمين صحي، وأن المعالجة في المستشفيات مكلفة جداً مقارنة مع دخلهم المتقطع والمرتبط بالمواسم الزراعية.

ويشير إلى أن الزراعة لم تعد مجدية كثيراً، وخاصة أن متطلباتها مكلفة والسوق يعتمد بشكل أساسي على الاستيراد، ويتمنى أن يحظوا بامتيازات مختلفة حتى يدعموا هذا القطاع الحيوي والمهم بجهودهم وإخلاصهم، فالزراعة أساس تطور ونمو المجتمعات ولا يمكن التخلي عنها.

عائلة يوسف المكونة من عشرة أشخاص مستقرة في لواء دير علا ومعظمهم متزوجون، يقول: إنني لا أفكر في الزواج حالياً، فالظروف الاقتصادية صعبة وراتبي لا يتجاوز 200 دينار أردني، وتبعات الحياة متعددة لا تقف عند توفير مستلزمات العرس وغيره. الأسر الباكستانية أصبح زواجها مشابهاً للأردنية في التكاليف والتحضيرات وغيره من الالتزامات، حتى إن العروس أصبحت تلبس الفستان الأبيض وتريد الاحتفال على أيام متتابعة، في حين أن هنالك أسراً قليلة متمسكة في تراثها وعاداتها.

ويؤكد يوسف أن أعداد الباكستانيين تقدر بـ 20 ألف شخص، ومن المرجح أن يكون العدد أيضاً أكبر بسبب عدم التسجيل في السفارة أو التأخير في استخراج الأوراق الثبوتية للأطفال. ووفقاً لوزارة العمل فإن عدد العمال الباكستانيين المسجلين في الوزارة للعام 2016 هو ما يقارب 3205 ويعمل أكثر من نصفهم في قطاع الزراعة مشكلين ما نسبته 2% من مجمل عمال الزراعة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات