محطات معقدة مرّت بها الأزمة السورية على مدى نحو ثماني سنوات، قبل أن يحمل عام 2019 منعطفات جديدة عكست نتائج صراع واشتباك دولي وإقليمي معقدين، ويفرز أوضاعاً سياسية وميدانية بدأت ترسم ملامح الخريطة الجيوسياسية الجديدة لهذا البلد العربي.
ويبدو أن ملامح انتهاء الأزمة السورية عسكرياً ستكون من بوابة انحسار وتراجع الدور التركي، الذي بدأ بسقف عالٍ، قبل أن يخفق في فرض طموحات توسعية لأنقرة، أدّت روسيا دوراً كبيراً في لجمها، عبر الدبلوماسية الناعمة، والصبر الاستراتيجي، والقوة العسكرية المؤثرة.
معضلة
ولعل بقاء القوات الكردية (أو جزء منها) في المناطق المتاخمة للحدود مع تركيا هو المعضلة الأساسية المتبقية لأنقرة، ما أسّس لإطلاق وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو تهديداته بإحياء بلاده العملية العسكرية في سوريا (ضرب الأكراد)، في حال لم تقم الولايات المتحدة وروسيا بالإجراءات المطلوبة في إطار الاتفاقات بخصوص الأوضاع شمال شرقي سوريا،.
وعلى رأسها انسحاب «وحدات حماية الشعب» الكردية من المنطقة الحدودية بين سوريا وتركيا.
أما على صعيد التصريحات الرسمية، فقد أخذت المواقف التركية طابع الصمت والتجاهل، حيال التقدم السريع للجيش السوري باتجاه المناطق التي كانت تسيطر عليها النصرة و«قسد»، في دلالة تعكس تسليم أنقرة بانتصار الرؤية الروسية لحل الأزمة السورية، عبر العمل الدبلوماسي وإفشال خيارات سياسة التهديدات والعقوبات.
كما يقول الخبير في الشؤون العربية والدبلوماسي الروسي السابق فياتشيسلاف ماتوزوف، الذي قال لـ«البيان» إن سوريا تسير بوتائر جيدة على طريق استعادة سيادتها على كامل أراضيها، مقابل تراجع النفوذ التركي إلى حدوده الدنيا.
الدبلوماسي الروسي السابق أوضح لـ«البيان» أن انهيار الرهان التركي على تغيير الواقع السياسي والديمغرافي في سوريا جاء نتيجة إصرار موسكو على الحل السياسي للأزمة السورية ومنع التدخل الخارجي، وكذلك على ضوء تلقي الجماعات التابعة لأنقرة ضربات مؤلمة من قِبل الجيش السوري، ودخول سياسات أردوغان الداخلية والخارجية في نفق مراهنات غير مدروسة.
انتكاسة بطعم المكابرة
وتابع أن انتشار الجيش السوري في خان شيخون شكّل أوضح دلالة على خط تثبيت الانتكاسة التركية، موضحاً أن انسحاب القوات التابعة لأنقرة من تلك المناطق تحت ضربات الجيش السوري بغطاء جوي روسي قلب الطاولة رأساً على عقب وشتّت الحسابات التركية، ووضعته تحت وابل من السباب من قِبل تلك الجماعات التي كان الرهان متبادلاً بينها وبين تركيا فيما يتعلق بالأدوار.
ليس نصراً
وتساءل ماتوزوف: «كيف يمكن اعتبار انسحاب المقاتلين الأكراد بعمق 30 كيلومتراً من الحدود في العمق السوري.
فيما يسمى بـ«المنطقة الآمنة» انتصاراً تركياً، إذا كان ذلك في النتيجة يصب في مصلحة الدولة السورية التي ستقوم (منطقياً وحتمياً) بإعادة السيطرة على تلك المناطق، وفي الوقت نفسه الذي بدأت فيه قوات «قسد» بمفاوضات مع الدولة السورية لدمج مقاتليها بالجيش السوري، ما يعتبر حتماً نصراً سورياً محكماً، وليس تركياً، من حيث النتائج والأبعاد».
