فلسطين .. مسجد عمر وكنيسة المهد.. توأمان لا ينفصلان

كنيسة المهد عناق تاريخي مع مسجد عمر | البيان

ت + ت - الحجم الطبيعي

ما إن تدخل مدينة بيت لحم، تلك المدينة الفلسطينية التاريخية، التي شهدت ميلاد السيد المسيح عليه السلام، حتى تنصت إلى مقطع من أغنية زهرة المدائن «الطفل في المغارة وأمه مريم وجهان يبكيان».. وكأن صوت الصرخة يريد أن يتكرر، ليعيد للمدينة نقاءها وسلامها وصفاء ملامحها.

تعج مدينة بيت لحم بالآثار التاريخية القديمة، ففيها معالم أخرى غير كنيسة المهد، فهناك مغارة الحليب، وكنيسة القديسة كاترينا، وبرك سليمان، لكن أكثر ما يميزها، أنها تمثل رمزاً للتآخي والوئام بين المسلمين والمسيحيين.

ففيها تتعانق كنيسة المهد التي يُعتقد بأن السيد المسيح ولد فيها، مع مسجد عمر، الذي أقيم في المكان الذي صلى فيه الخليفة عمر بن الخطاب، لدى فتح بيت المقدس، عندما رفض الصلاة في كنيسة المهد، حتى لا يتخذها المسلمون مسجداً.

إهداء

من الممارسات التقليدية المتوارثة عبر التاريخ بين سكان بيت لحم، إهداء المسيحيين إخوانهم المسلمين، زيت الزيتون، لإضاءة قناديل مسجد عمر.

كما أنه في أعياد الميلاد المجيد يتشارك المسلمون والمسيحيون الاحتفالات في ساحة المهد، الأمر الذي يتكرر مع حلول شهر رمضان المبارك عند المسلمين، وخلال عيدي الفطر والأضحى، ومختلف المناسبات الدينية الإسلامية والمسيحية، التي تتحول إلى مناسبات وطنية لكثرة المشاركين فيها.

وحتى احتلال ما تبقى من فلسطين عام 1967، كانت مسيحيات بيت لحم، يقدمن النذور أمام مسجد عمر بن الخطاب، فتنذر الواحدة منهن بتقديم «السماط» وهو عبارة عن دسوت وقدر كبيرة يستعملنها في إعداد الطعام، كي يسكبنه لمن يريد من المارّة، ومرتادي مسجد عمر وكنيسة المهد.

عادات

هناك في بيت لحم، العديد من العادات والتقاليد المشتركة بين مسلميها ومسيحييها، فهم يستثمرون أية فرصة أو مناسبة للتأكيد على ما يصفونه بالتآخي والتسامح الذي يميز المدينة، فيحرص المطارنة ورجال الدين المسيحي على المشاركة في الفرش السنوي لمسجد عمر.

كما يُسمح لمسيحيين ذكوراً وإناثاً، بزيارة المسجد التاريخي والإطلاع على معالمه، الأمر الذي ينطبق بطبيعة الحال على المسلمين، لدى زيارتهم لكنيسة المهد.

يقول عطا الله حنا لـ«البيان»: نحرص على إظهار النموذج الفلسطيني المميز في مدينة بيت لحم، والذي ينعكس على الوحدة الوطنية من جهة، والتآخي الديني الإسلامي المسيحي من جهة أخرى، الأمر الذي أكده الشيخ عبد المجيد عمارنة، مفتي بيت لحم، بأن هذه المدينة تشكل رمزية تاريخية عميقة، لتعايش المسلمين والمسيحيين.

مؤكداً: لا يوجد في بيت لحم أحياء للمسلمين وأخرى للمسيحيين، نسكن بجانب بعضنا البعض، ونتشارك سوياً الأفراح والأتراح، والمناسبات والأعياد، وفي شهر رمضان كثيراً ما نتناول إفطارنا على موائد إخواننا المسيحيين، وبعضهم يصومون معنا، ويفطرون على موائدنا.

2

شكلت مدينة بيت لحم، صورة حية على حسن التعايش بين الديانتين الإسلامية والمسيحية فيها منذ سنوات، ومع مرور السنين تعاظمت هذه العلاقات الأخوية المبنية على المحبة والوفاء، لتقف سداً منيعاً أمام كل المخططات المغرضة للنيل منها.

وإفساد الأجواء فيها، خاصة ما كان بفعل الاحتلال. يعد التعايش الإسلامي المسيحي في فلسطين نموذجاً إيجابياً لحوار الأديان، في وقت تأخذ فيه هذه القضية بعداً دولياً واسعاً جراء ما يحدث من اقتتال في بعض دول العالم.

لقد سميت مدينة بيت لحم بمدينة السلام ليس وصفاً مبالغاً به، بل هو كل الحقيقة فلم تعد تفرق بين مسلميها ومسيحييها والذين اصطفوا منذ الأزل في خندق واحد (خندق حماية المدينة من الاحتلال).

وعندما تتساءل عن سر المحبة في هذه المدينة يجمع ساكنوها على أن علاقة الألفة قوية وتاريخية منذ أيام العهدة العمرية والتي تعتبر ناظماً للعلاقة بين المسلمين والمسيحيين على ارض فلسطين لدرجة أنها تعتبر الوثيقة الوحيدة التي مازال طرفاها يحترمان بنودها.

طباعة Email