رجل ثمانيني، أتعبته الحياة وتركت للأيام أن تتابع مسيرتها على وجهه.. فيه خصال شبيهة ألم، وفي حالته كثير من البؤس والتشتّت والتحدّي في آن.. اسمه «أبو ريتا».

وفي الأسماء تكمن حكاية عجوز خانه الزمن مراراً وتكراراً، ورسم له خطّ حياة خطِرة من دون سقف أو حدود، قبل أن تستقرّ به الحال في ساحة الشهداء في وسط بيروت، ملتحقاً بـ«الثوّار» هناك.

هو عيّنة عن قهرٍ خرج من قيده.. ببطاقة هويّته المعروفة، وبالتجاعيد العميقة على وجهه، قصد الساحة مغامراً من دون «سند سياسي»، أما رصيده، فـ«رفيقه» الدائم وشبيهه ومصدر عيشه، العود.

والكثير من الذكريات المرتبطة بأرصفة كان بينه وبينها على مدى سنوات طويلة ما يشبه الصداقة، بدءاً من منطقة أنطلياس، مروراً بمحيط مستشفى الجامعة الأمريكية في محلّة الحمراء، ووصولاً إلى ساحة ساسين في محلّة الأشرفيّة، بقصصها التي استمرّت على وتيرة شبيهة بحال الرجل، الذي ودّع سنوات عمره الثمانين.. «مكانك راوِح.. لا بل إلى الوراء أحياناً».

بضع خطوات، فتخترق آذان المنتفضين صدى نقْر أوتار عود، مرفقة بدندنات حيناً، وبأغان طربيّة قديمة أحياناً.. يلاحقون المصدر وصولاً إليه: «أبو ريتا».

كما يُعرّف عن نفسه، وريتا ابنته البِكر. «ختيار»، بالكاد يستطيع السير على قدميه.. يرتدي بيجاما زرقاء مرقّطة، «تستر» فقره، وعلى ياقتها ميكروفون أسود صغير موصول بمكبّر صوت متواضع، في محاولة منه لإيصال صوته إلى أكبر عدد ممكن من المتواجدين في المكان.. «شحّاطة» بلا جوارب، «تفضح» حاجته إلى الدفء.

يحمل آلة عود، هي بالتأكيد من عمره أو أكبر. بجانبه أنبوبة الأكسجين ونرابيشها، لتضخّ الهواء إلى رئتيه المتعبتين من العمر والمرض. وأمامه طربوش أحمر. «ختيار» بلا حاضر، في ظلّ غدْر الزمان الذي أوصله إلى هذه الحال. حال أشبه بطربوشه الذي لم يتبدّل يوماً، لكنّه استحال إلى ما يشبه «الكرتونة» القديمة، التي كانت ترافقه على الأرصفة سابقاً، .

خيبات.. و«مغامرة»

وتعود حكاية «أبو ريتا»، مارون الناشف، إلى عام 1986. حينها، ترك بلدته مغدوشة في جنوب لبنان، حيث كان يملك محلاً لبيع السمانة والخضار وتوزيع الغاز، مهجّراً وعائلته المكوّنة من 7 أشخاص إلى بيروت، بفعل الحرب.

وفي بيروت، لم يجد سوى الشارع أولاً ملجأ له، لينتقل بعدها للعمل في مدرسة كناطور، ومن ثمّ انتقل إلى «الكشي» (مصطلح يعني العربة التي يجول فيها في الشوارع تبيع خضراوات وغيرها).

ولأنّ مرارات الحياة لا تنتهي، قرّر «المغامرة»، بأن يحمل عوده ويتنقّل بين الأرصفة «مغنيّاً جوّالاً»، وكانت «يا عزيز عيني، بدّي روح بلدي»، أوّل أغنية رندحها «أبو ريتا»، وذلك قبل أن ينتهي به المطاف في ساحة الشهداء في وسط العاصمة، حيث الأغاني الثوريّة هي الحاضر الأكبر.