أبكت مها القضقاضي التونسيين وأحرجت حكومتهم، فمجرد الإعلان عن وفاة الطفلة ذات 11 ربيعاً بعد أن جرفتها السيول، كان كافياً للكشف عن حالة البؤس التي يعيشها سكان المرتفعات الغربية المتاخمة للحدود الشمالية مع الجزائر، ومنها ولاية جندوبة ذات التضاريس الجبلية، حيث يتوزع السكان المحليون في مواقع مفتوحة على كل التحديات من أجل البقاء.

في إحدى شعاب منطقة مفدي من معتمدية فرنانة من ولاية جندوبة، وعلى بعد بعد ثلاثة كيلومترات من الحدود مع الجزائر، كانت مها عائدة من المدرسة عندما اعترضها مجرى الوادي بسيل حاولت عبورها للعودة إلى المنزل، لكنه فاجأها بدفقه القوي أمام بنيتها النحيلة ليجرفها، فتنتهي بذلك حياتها ضحية للعجز والإهمال.

كشفت الحادثة عن عمق المأساة التي يعيشها السكان المحليون، حيث تبين أن أسرة الطفلة الضحية تعيش في كوخ من القصدير، بينما يعجز والدها عن العمل نتيجة إصابته بمرض الأعصاب، وتكتفي والدتها بتدبير تكاليف الحياة البسيطة من خلال جمع بعض الأعشاب الجبلية والحطب من الغابات الكثيفة التي تغطي المكان.

شطبت اسمها

وقد تألم التونسيون لرحيل مها التي أطلقوا عليها اسم «ذات العينين الخضراوين ضحية الفقر والعوز» مؤكدين أن المسؤولية جماعية، خصوصاً وأن السلطات لم تصدر تحذيراً مبكراً بضرورة ملازمة البيوت، وغلق المدارس نتيجة معطيات تؤكد قرب هطول أمطار غزيرة، كما حدث في مناطق أخرى بالبلاد.

وقال والد مها مبروك القضقاضي، إنه عثر على رسالة من ابنته أبكته وأبكت الإطار التربوي وكل من قرأها، حيث كتبت الضحية ساعات قبل الحادثة وغرقها بخط يدها رسالة إلى العائلة السعيدة والدها مبروك وأمها لطيفة وتمنت لهما وشقيقتها، حياة أفضل وتشييد منزل آمن، وعلاجاً من المرض ومورد رزق يضمن لهم الكرامة الإنسانية.

وختمت مها الرسالة بأن شطبت اسمها تاركة أسماء بقية أفراد عائلتها، وكأنها كانت تشعر بأنها ستودع الحياة قريباً، وقالت والدة مها إنها طلبت منها البقاء في المنزل بعد أن تبين أن هناك أمطاراً ستهطل بغزارة، لكن الطفلة أصرت على الذهاب إلى المدرسة وبررت إصرارها بأن الامتحانات على الأبواب وأنها تريد أن تنجح لتحقق أحلامها وأحلام أسرتها الفقيرة.

احتجاجات

إلى ذلك، أكد والي جندوبة علي المرموري أنه قام بزيارة عائلة مها القضقاضي وبتقديم واجب العزاء للعائلة، كما تم تقديم مساعدات فورية متمثلة في مواد غذائية وأغطية وحشايا، مؤكّداً أنه سيكون هناك التدخل العاجل لبناء مسكن للعائلة المذكورة. لكن عدداً من نشطاء المجتمع المدني بجندوبة، نفذوا أول من أمس، وقفة احتجاجية أمام مقر الولاية، عبّروا من خلالها عن تضامنهم مع عائلة الطفلة مها.

وذكّروا بعزلة وتهميش متساكني قرى الشريط الحدودي التونسي - الجزائري وتردي البنية التحتية بها وانتشار ظاهرة الأكواخ التي تقطنها بعض العائلات منذ أكثر من 50 عاماً وعدم ارتقاء المشاريع المرصودة لتلك المناطق إلى مستوى المطلوب للخروج بها من الوضع المتردي التي تعيشه منذ سنوات على جميع الأصعدة.