مع منتصف ليل كل يوم، يبدأ الصياد أحمد أبو حليمة برفقة ابنه الأكبر في تجهيز شباك صيد «السلطعونات» على شاطئ بحر السودانية شمال قطاع غزة، أملاً بتحصيل قوت أطفاله الصغار بعد بيع فروش السلطعونات ككل موسم صيد.
ومع شروق الفجر يبدأ أبو حليمة بإخراج «السلطعونات» بمساعدة ابنه من شباك الصيد، ويستمر إفراغ الشباك من الأسماك العالقة، حتى الثامنة صباحاً، وهذا حال جميع الصيادين طوال هذا الموسم.
أبو حليمة يعرض ما قام بصيده على أرصفة الشوارع في صناديق زرقاء، بمبلغ 20 شيكلاً للصندوق الواحد، الأمر الذي يدفع الفقراء للشراء.
لكن هذا الموسم يعتبر الأسوأ بالنسبة لأبو حليمة وجميع الصيادين مع وقع الأزمات المتلاحقة، التي يعاني منها سكان القطاع بسبب الحصار وأنصاف الرواتب. وتعتبر هذه الأكلة الشعبية وما تعرف بـ«الجلمبات» رفيقة الموائد في غزة لطعمها الشهي وفوائدها المتعددة.
الصياد أبو حليمة يقول: إن وزن الصندوق الواحدة يصل إلى سبعة كيلو غرامات، وبسعر مناسب للجميع في ظل الوضع الاقتصادي الصعب، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الصيادين تمكنوا من تصدير «الجلمبات» هذا الموسم إلى الضفة المحتلة بكميات كبيرة، مشيراً إلى أن سعر الصندوق الواحد يصل إلى 80 شيكلاً، بينما يتم بيعه في غزة بسعر لا يتجاوز الـ 20 شيكلاً.
قلة فرص العمل
ويشرح أبو حليمة، إن كميات بيع «السلطعونات» هذا العام مقارنة بالأعوام السابقة ضئيلة، وذلك بسبب قلة فرص العمل وقلة الرواتب التي يتلقاها موظفو غزة والسلطة والتي تبلغ في أقصاها 50% من أصل الراتب.
أما الصياد يونس عليان فقد قال إنه يبيع في اليوم الواحد من كميات «السلطعونات» التي يصطادها من 100 إلى 150 شيكلاً مع صافي ربح بالكاد يصل إلى 60 شيكلاً.
ويتكبد عليان وغيره من الصيادين خسائر مالية فادحة جراء تَهشم الشباك بالإضافة إلى تضرر قوارب الصيد المتهالكة، موضحاً أن ظروف الصيادين في غزة تحول دون الصيد بأريحية أكبر، ولا تكفي لإصلاح الأعطال التي تصيب القوارب وشباك الصيد.
ويستخدم عليان نوع خاص من الشباك في صيد «السلطعونات» ويتم اصطياد هذا النوع من الأسماك بالقرب من الشاطئ، ويعتبر هذه المهنة مدخل رزقه الوحيد حتى يطعم أبناءه الصغار، في حين لو تعرض لخسارة مالية نتيجة تعثر الصيد أو بيع الأسماك، سينعكس ذلك على قوت أطفاله.
فوائد صحية
ويؤكد عليان وهو يروج لبيع كميات السلطعونات التي يعرضها للبيع أن لها فوائد صحية كبيرة لجسم الإنسان، إذ تعدد من أفضل المأكولات البحرية لعلاج مرضى القلب والسكر وضغط الدم والحياة الجنسية، وأيضاً يحتوي على البروتينات والفيتامينات مثل الحديد والفسفور واليود وعناصر أخرى.
الصياد محمود بكر برفقة أشقائه، يجلسون على الشاطئ بشكل دائري، مُمسكين بشباك صيد كبير الحجم لإخراج «السلطعونات» العالقة في الشباك، ويتحدث لـ«البيان»:
«إن نسبة إقبال المواطنين على شراء «السلطعونات» هذا الموسم أقل من المواسم السابقة نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية، مطالباً المؤسسات الحكومية في غزة للوقوف إلى جانب الصياد،.
وتوفير مقومات الحياة في غزة، لا سيما أنهم من أكثر الشرائح تضرراً بفعل الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة، والتي تتمثل بالحصار الإسرائيلي، إذ يجبرون على الصيد في مساحة 6 أميال بحرية فقط، كما أنهم يتعرضون لملاحقة كبيرة من «زوارق» الاحتلال التي تفتح نيران رشاشاتها الثقيلة تجاه قواربهم، ما يؤدي إلى إصابتها بأعطال، تكبدهم خسائر فادحة.
وأوضح بكر في حديثه لنا أن الصيادين يعتمدون بشكل كبير على موسم صيد «الجملبات» نظراً لإقبال المواطنين عليها بشكل كبير، ما يوفر دخل لهم ولعائلاتهم المعوزة.
وتشدد زوارق الاحتلال من حصارها البحري أمام الصيادين، فتارة تقلص مساحة الصيد من 20 ميلاً لـ9 أميال، وتارة لـ6 أميال، وفي مرات كثيرة تغلق البحر تماماً، بذريعة الأوضاع الأمنية.
ويعمل في مهنة الصيد أكثر من ثلاثة آلاف صياد، حسب إحصاء صادرة عن وزارة الزراعة في غزة.
374
يشهد قطاع الصيد في قطاع غزة، تدهوراً متسارعاً في السنوات الأخيرة، وتراجعت أوضاع الصيادين وأسرهم الاقتصادية والاجتماعية بشكل خطير، أفضى إلى إفقارهم، بحيث أمسوا أكثر الفئات ضعفاً وحاجة للحماية. ولا يقتصر الفقر هنا على المفهوم التقليدي الذي يقيس الفقر بالافتقار إلى الدخل أو الموارد أو ضمان مصدر رزق مستدام، بل تجاوزه إلى المفهوم الشامل، الذي يشمل انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية.
وتشير حصيلة أعمال الرصد والتوثيق في مركز الميزان لحقوق الإنسان، إلى أنه منذ عام 2015 وحتى 20 أغسطس 2019، قتل 5 صيادين، وأصيب 105 آخرون، واعتقل 374 صياداً، وتم الاعتداء على الصيادين جسدياً، وتوجيه إهانات لفظية بحقهم خلال التحقيق معهم في ميناء أسدود. كما استولت القوات الإسرائيلية على 113 مركباً مع معداتهم خلال هذه الفترة، وتم تقطيع شباك الصيد، وتخريب مراكب وأدوات الصيد 55 مرة.
