في قلب العاصمة تونس، يوجد شارع الحبيب بورقيبة كمتحف مفتوح للتاريخ وسجلّ حافل بالأحداث بمختلف أبعادها السياسية والاجتماعية والثقافية.

تاريخياً، شهدت تونس العاصمة توسعاً مهماً في عهد الدولة الحسينية (1705 1957) حيث كانت مركزاً تجارياً كبيراً ومركزاً للتحكم في الملاحة البحرية وحماية السواحل أيضاً، وتأسست بلدية تونس إثر أمر 30 أغسطس 1858 بفضل القائد حسين الذي أصبح أول شيخ للمدينة (إلى 1865). وقد كان أول من اهتم بتهيئة المدينة.

وكان من بين الشوارع التي أذن بتهيئتها ذلك الذي حمل مع دخول الحماية الفرنسية إلى البلاد في مايو 1881 إسم شارع البحرية، باعتباره يوجد بقلب باب البحر. وفي العام 1900، أطلق على الشارع اسم جول فيري السياسي الفرنسي المعروف بمواقفه المناصرة للحركة التوسعية.

حيث كان يتبنى مقولة أن الشعوب والأجناس السامية تتمتع بواجب الوصاية على الشعوب المتخلفة، وان شعوب العالم الأول مطالبة بالاضطلاع بدور تأهيل الشعوب الأخرى، وأن مقولة «حرية.. مساواة.. أخوة» لا تصلح للشعوب المتخلفة.

وبعد استقلال تونس العام 1956، حمل الشارع اسم الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة في حين كانت كل الشوارع الكبرى في المدن التونسية تحمل نفس الاسم.

معالم تاريخية

يمتد الشارع على مسافة نحو 1500 متر، من قوس (باب البحر) المفتوح على المدينة القديمة غرباً، إلى محطة تونس البحرية للقطارات المتجهة إلى الضواحي الشمالية للعاصمة شرقاً، ويتفرع عنه كل من شارع روما وشارع الجزائر العاصمة وشارع باريس وشارع مرسيليا وشارع القاهرة وشارع محمد الخامس، شارع جمال عبد الناصر وشارع اليونان وشارع قرطاج وشارع ابن خلدون.

بين بورقيبة وابن خلدون

كما يتميز الشارع بدوار ساحة 14 يناير 2011 ويوجد به برج الساعة الذي يبلغ طوله 32 متراً، وهو مؤلف من قاعدة مربعة الشكل يبلغ محيطها 4 أمتار، وتكسوه أشكال معدنية مطلية بالدهن البرونزي. يتخذ هيكل برج الساعة شكلاً هرمياً، مذهباً في قمته.

تم إنجاز البرج في العام 1988 وكان طوله آنذاك 20 متراً ليحل محل مجسم للرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة ( 1903 2000) الذي أطيح به من سدة الرئاسة في 7 نوفمبر 1987 من قبل خلفه زين العابدين بن علي ( 1937 2019)، كان المجسم يمثّل بورقيبة الذي حكم البلاد لمدة 30 عاما ( 1957 1937 ) .

وهو يمتطي جواداً عربياً أصيلاً أثناء عودته إلى البلاد في 1 يونيو 1955 ونزوله بميناء حلق الوادي بعد سنوات من الإقامة في المنفى الفرنسي، لذلك قرر بن علي إعادته إلى ضاحية حلق الوادي شمالي العاصمة.

وقبالة تمثال بورقيبة من ناحية قوس باب البحر يوجد تمثال عالم الاجتماع عبد الرحمن ابن خلدون (1332 - 1406م)، الذي تخرّج من جامعة الزيتونة، أول جامعة في العالم العربي والإسلامي، وكان الرسام والنحات زبير التركي هو من تولى نحت تمثال إبن خلدون في العام 1982 بأمر من بورقيبة نفسه، ليتقابل التمثالان برمزية كل منهما تاريخياً، في شارع واحد .

2011

خضع شارع الحبيب بورقيبة في تونس لرقابة أمنية مشددة خصوصاً بعد أن شهد عمليات إرهابية من بينها تفجير فتاة نفسها بالقرب من مفرزة أمنية في29 أكتوبر 2018 وعملية انتحارية ثانية نفذها أحد المتشددين في 27 يناير 2019.

وكان الشارع قد عرف منذ العام 2011 تحركات نظمها متشددون دينيون ضد الفنانين والمثقفين ووسائل الإعلام، وبعد اغتيال القياديين اليساريين المعارضين شكري بلعيد ومحمد البراهمي في ظل حكم الإخوان في العام 2013 تحول الشارع إلى ساحة للاحتجاجات السياسية واستعراض القدرات التحشيدية للأحزاب السياسية والنقابات.

وكانت آخر أكبر التجمعات تلك شهدها الشارع يوم 13 أكتوبر 2018 بعد الإعلان عن انتخاب أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد رئيساً للبلاد ولا تزال جوانب من الشارع مسيجة بالأسلاك الشائكة منذ سنوات، وخاصة أمام وزارة الداخلية وسفارة فرنسا، بسبب الاحتياطات الأمنية، وهو ما أفقده الكثير من خصوصيته الجمالية.

وثقافياً، يعتبر شارع الحبيب بورقيبة فضاء واسعاً من أبرز معالمه المسرح البلدي وقاعة الكوليزي وعدد من المكتبات أبرزها مكتبة «الكتاب» الأشهر في تونس. تونس-البيان