سوريا .. مقهى النوفرة.. سرد لحقبات تاريخية

بعد جولة لـ«البيان» في المسجد الأموي، والمرور على ضريح صلاح الدين الأيوبي، تم التجوال بمحاذاة جدار المسجد الأموي.

حيث تنتشر المحلات المتخصصة ببيع التحف والمنتجات الدمشقية، بالإضافة لمحلات صيّاغ الفضة، وبعد التبضّع هناك وشراء بعض التذكارات، وكان أمامنا مقهى صغير اسمه «خبيني» وتقول الحكاية الشعبية، إن الشباب كانوا يلجأون إليه للهروب من حملات العثمانيين لسوق الشباب لحرب السفربرلك.

وليس بعيداً عن هذا المقهى يقع مقهى النوفرة الأشهر، وبعد شرب كأس ساخن من الشاي، ستكون الوجهة نحو ساحة باب توما، من خلال أحياء ضيقة وأزقة تتفاوت في العمق، وهنا تتواجد البيوت الدمشقية الشهيرة، التي تعرف عليها العالم مع مسلسل باب الحارة وغيره من أعمال البيئة الشامية.

جدران عالية

تمتاز بيوت هذه الأحياء بجدرانها العالية، التي تحجب عيون الغرباء والفضوليين عن سكان المنزل، كما تضم بحرة في منتصف فسحتها السماوية المعروفة باسم أرض الدار، وتختلف هذه البيوت من الداخل بحسب إمكانات أصحابها، فقد تكون غنية بالزخارف وذات فسحة واسعة وعدد كبير من الغرف، وقد تكون صغيرة ومتواضعة، وهو سر لا يمكن اكتشافه إلا بعد تجاوز أبواب البيوت.

ويحتل باب توما الجهة الشمالية الشرقية من سور المدينة، وهو بالأصل باب روماني نسب إلى أحد عظمائهم توما، وكانت عنده كنيسة حولت إلى مسجد بعد الفتح الإسلامي، ثم أُزيل لاحقاً، ومن هذا الباب يمكن الانتقال لبابين آخرين هما كيسان وباب شرقي.

ويقع باب شرقي على الجهة الشرقية من سور المدينة، وينتهي عند الشارع المستقيم الواصل بينه وبين باب الجابية، بُني في العهد الروماني أوائل القرن الميلادي، وجدد في عهد نور الدين الزنكي، سنة 1163، كما جدد بناء المئذنة في عهد السلطان العثماني مراد الثالث قبيل سنة 1582.

قصة مهمة

غير بعيد عن مدخل الباب يمكنك زيارة كنيسة حنانيا، ولهذه المكان قصة مهمة في تاريخ الديانة المسيحية وإثبات الدور الذي لعبته دمشق في التاريخ المسيحي أيضاً، بالإضافة للتاريخ الإسلامي، وتقع الكنيسة القديمة تحت الأرض ينزل إليها بدرج يفضي إلى تحفة تاريخية، تعود إلى أكثر من ألفي عام.

19

ينتشر في دمشق عدد كبير من المقاهي العريقة، التي يعود تاريخ إنشاء معظمها إلى القرن الـ 19، ويطل أغلبها على الشوارع الرئيسة والأسواق الشعبية القديمة، كما تنتشر في الحارات مقاهي الحي، حيث يلتقي الأصدقاء أو أصحاب الكار من الحرفيين والتجار والمثقفين، يتسلون ويناقشون مواضيع تهمهم، وفي السنوات الأخيرة، دخل الشباب والفتيات إلى هذه المقاهي، التي استجاب معظمها إلى متطلبات الزبون الجديد، بتوفيرها التلفزيون الكبير والإنترنت.

وكانت دمشق من أوائل المدن التي عرفت القهوة، وذلك في القرن العاشر الهجري، حتى صارت لها طقوس اجتماعية، وتأسست لها محال عامة تجارية لخدمة شرب القهوة، ويرجح أن ظهور المقاهي كان في النصف الأول من القرن الـ 16.

وتجمع المصادر التاريخية، أن عدد المقاهي في دمشق تراوح في الربع الأخير من القرن الـ 19 بين 110 و120 مقهى، منها مقهى السكرية والقماحين، واللذان يقعان في باب الجابية ومقهى العصرونية والرطل في باب توما وجاويش في القيمرية، وغيرها الكثير، لكن أغلبها لم يعد موجوداً وتغيرت أنشطتها التجارية.

وكانت هناك مقاهٍ خاصة بأصحاب المهن والحرف، مثل مقهى النجارين في حي الشاغور، ومقهى الحمام لبائعي الطيور في سوق السنانية، ومقهى البخاري في سوق التبن للخبازين، ومقهى خاص بالعمال في السوق العتيق، يناقشون فيه أمور مهنهم وحياتهم، كما كان لأبناء المحافظات السورية من المقيمين في دمشق، مقاهٍ عرفت في ما بعد بأسمائهم.

وكانت هناك مقاهٍ يرتادها المثقفون والسياسيون في الشوارع الرئيسة للعاصمة السورية، مثل مقهى البرازيل وهافانا والروضة، بل كان هناك مقهى للصم والبكم، عرف باسم «مقهى الخرسان».

وكانت هناك مقاهٍ ذات أسماء غريبة، مثل مقهى «خود عليك» و«مقهى التايبين»، ومقهى «خبيني»، وهي تسمية كانت شائعة بين الناس في العهد العثماني، حين كان ينزل رجال الدرك إلى السوق، يبحثون عن الشباب لسوقهم للخدمة العسكرية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات