هتافات الحراك اللبناني تقلق تل أبيب

شدّت الأحداث الجارية في لبنان، العالم كله، وباتت تداعياتها الشغل الشاغل لكل ركن في الإقليم، من مواطن عربي يرقب المشهد عن كثب، إلى مجتمع دولي تدرس قياداته في الغرف المغلقة، تأثير ما يجري على مصالحها، مغلّفة ذلك بالحرص الشديد على حقوق الإنسان وحرية التعبير. لقراءة كل ما يحيط بهذه الأحداث، نحتاج إلى أكثر من عينين، فثمة داخل ملتهب، ويمور بالمتغيرات والحراك، وثمة من تنبهوا حديثاً لهشاشة عروشهم أمثال «حزب الله»، وثمة نظام انقسم زعماؤه إلى مرتعبين مبادرين لـ «إصلاحات»، وشعوب أعجبتها «الفكرة»، وعلى الحدود، تراقب دولة الاحتلال المشهد، بعين لا تنام، وفم لا ينبس إلا قليلاً.

إسرائيل قد تكون الأكثر قلقاً بين المتابعين لما يحدث في لبنان، فبلاد الأرز هي إحدى دول الطوق بالنسبة لها، وهي رائدة في السلام، ورائدة كذلك في الحروب، ولها معارك عديدة مع إسرائيل، وعلى جبهات مختلفة، وبالتالي، فإن قرارها يؤثر في تل أبيب.zإسرائيل لا تهتم بالشخوص كثيراً، ولا حتى الأنظمة، إن شئنا التعميم، ما يهمها هو التوجه الاستراتيجي للنظام القائم على حدودها، ولا أدلّ من ذلك، من أول تصريح خرجت به دولة الاحتلال عقب تفجر الأحداث في لبنان، بضرورة الحفاظ على أمنها، لا سيما في جبهتها الشمالية، وما تخشاه اليوم، هو وصول نظام لسدة الحكم يقضّ مضاجعها، ويضعضع عرى كل الاتفاقيات والمعاهدات.

تأهب وترقب

عسكرياً، تتأهب دولة الاحتلال على جبهة لبنان، من خلال عديد المناورات العسكرية، وتدرس، كل السيناريوهات المتوقعة، ولا تخفي قلقها ولا استعدادها لأي طارئ، فهي دولة بنت نفسها على قاعدة «الأمن أولاً»، وسيظل هذا هاجسها، وستظل العين الإسرائيلية ترقب ميادين رياض الصلح والتحرير بحرص شديد، وأكثر ما يقلقها هتاف شباب الحراك: «فلسطين حنا معاكي للموت»، وقيام بعض المتظاهرين بحرق العلم الإسرائيلي على جسر الرينغ، الأمر الذي لم يخفه قادة الاحتلال، وشهد شاهد من أهلهم على هذا الأمر، فالعديد من الصحف الإسرائيلية نوّهت بهذا القلق.

وفي المضمار ذاته، تشير التحليلات الإسرائيلية، إلى أن المؤسسة الأمنية في تل أبيب، ترقب بعين المتابع، كل ما يحدث في الشارع اللبناني، وانعكاسات ذلك على سياسات الدولة اللبنانية حيال إسرائيل، التي بدت متفاجئة من حجم هذه الاحتجاجات، وهذا ما ظهر جلياً في الصحافة الإسرائيلية.

تاريخياً، حدث تلازم ما بين القضية الفلسطينية ولبنان، بحيث كانت أي تحولات أو متغيرات كبيرة تحدث في بيروت، تنعكس مباشرة على القضية الفلسطينية، وعندما تنتكس الحركة القومية في هذا البلد، ينعكس الأمر على الفلسطينيين في مخيمات لبنان، وعندما تنهض الحالة، تنهض معها أحوال اللاجئين الفلسطينيين، وبالتالي، فما يصيب هذا البلد، غير منقطع الصلة عن القضية الفلسطينية.

خصوصية

ومما لا شك فيه، أن الأحداث في لبنان، طغت على الشارع العربي بصورة أشمل من غيرها، لما لهذا البلد من خصوصية، تتعلق بقضية الشعب الفلسطيني، ومآلاتها المستمرة بفعل الاحتلال الإسرائيلي، وهذا مكمن القلق بالنسبة لدولة الاحتلال. ومنذ أن بدأت التظاهرات في لبنان، لا حديث للمحللين السياسيين في إسرائيل، إلا لبنان ومن سيحكمه، وهل سيكون لبنان ما قبل تاريخ السابع عشر من أكتوبر، هو لبنان الذي بعده؟، خصوصاً أنهم يعلمون أن العلاقات الفلسطينية اللبنانية، تكتسي أهمية خاصة، نظراً لأسباب كثيرة، أهمها الترابط التاريخي والجغرافي.

ربما تعتقد إسرائيل أن التغيير قادم في لبنان، لكنها على الأقل تأمل بأن تستريح من أسطوانة الورقة اللبنانية، باستمرار «الفوضى» في هذا البلد، كي تبقى تسرح وتمرح على الحدود الشمالية، فأي تغيير، سيجعلها تحس بالخطر، وبعد التغيير، ربما سيكبح لبنان هذا الهدوء.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات