قرّرت المناضلة أم ناصر أبو حميد أو «سنديانة فلسطين» كما يناديها الكثيرون، ورغم التجارب القاسية التي عاشتها، الاستمرار في مشوار كفاحها، إذ لم تستطع المآسي و«الكوارث» التي ألحقها الاحتلال بعائلتها أن تكسرها.
تمضي أم ناصر غير آبهة بما اقترفه الاحتلال من جرائم بحق عائلتها في مخيم الأمعري باعتقاله ستة أشقاء في سجونه، بعد أن استشهد سابعهم برصاصه الغادر. لم تعبأ بكل ما يعترض سبيلها من استهداف ومضايقات، تجلّت سوءاتها وغيّها في هدم منزلها على أيدي جنود الاحتلال للمرة الخامسة، والثانية خلال أقل من عام!.
ولدت لطيفة ناجي أبو حميد، العام 1947 لعائلة مناضلة، لجأت من قرية أبو شوشة قضاء الرملة، إلى مخيم الأمعري قرب رام الله، بعد نكبة العام 1948. ومنذ أيام الصبا، امتلكت حسّاً وطنياً عالياً، دفعت ثمنه غالياً، وكانت أول مواجهة حقيقية لها مع قوات الاحتلال، في العام 1988، خلال الأشهر الأولى لانتفاضة الحجارة.
تقول أم ناصر لـ «البيان»: «أذكرُ لحظة طرق باب بيتنا، كنت مستيقظة وللتو أنهيت صلاة الفجر، سألت من الطارق؟.. فأجاب بلغة عربية واضحة: افتحي الباب، نريد ناصر، أيقظته وأنا أظن أنّ أصدقاءه يرغبون باصطحابه إلى مباراة بكرة القدم التي كان يحبها ويمارسها، اتجه ناصر نحو الباب وتبعته، لاحظت أربعة أشخاص بلباس مدني، يسألون: أنت ناصر؟، وطلبوا منه ارتداء ملابسه».
وتضيف أم ناصر: «لحظة مغادرته البيت، أسرعت خلفه وفوجئت بأشخاص ملثمين داخل سيارة مدنية، تقف مباشرة أمام البيت، وبجوارها جنود من جيش الاحتلال يرتدون لباساً عسكرياً، ركضت خلف السيارة التي انطلقت بعيداً، وعدت حزينة لأخبر عائلتي أن الاحتلال اعتقل ناصر، الذي لم يعد حتى الآن»!.
شهد العام 1994، محطة رئيسية في مسيرة كفاح أم ناصر، عندما اغتالت قوات الاحتلال نجلها عبد المنعم، غير أن هذه الحادثة، صقلت شخصيتها النضالية، لتصبح جاهزة تماماً، لمتابعة كفاحها، وخلالها أكمل الاحتلال بسلوكه المُشين، اعتقال أبنائها الستة، إذ يقضي ناصر حكماً قوامه سبع مؤبدات.
ونصر السجن المؤبد خمس مرات، وشريف أربع مرات، ومحمـد المؤبد مرتين، وإسلام السجن المؤبد، بينما يقبع جهاد رهن الاعتقال الإداري. واجهت أم ناصر خلال هذه التجربة القاسية، التحقيق والصمود في مواجهة الجلاد، إذ تم استجوابها مراراً من قبل الاحتلال، الذي لا ينفكّ من الاتصال بها، وتهديدها، وتذكيرها بأنه سيهدم بيتها في كل مرة يتم بناؤه، لكنه لم ينل من عزيمتها.
فيما كان جنود الاحتلال منهمكين في هدم منزل عائلة أبو حميد للمرة الخامسة، في حالة من الجنون والهستيريا، التي تقترفها آلة الاحتلال التدميرية، وتُفصح عن ممارسات تقطر حقداً وكراهية وعنصرية، كانت أم ناصر ترد عليهم بالكلمات ذاتها: «أنا وأبنائي وبيتي فداء لفلسطين، ولن تكسروا إرادتنا».
