وسط صف من الخيام المهترئة تنتصب خيمة فتحية جمال (30 عاما) في منطقة الجشة التابعة لمديرية الخوخة استقر بها المقام قبل سنتين قادمة من منطقة الجبلية التابعة لمديرية التحيتا بمحافظة الحديدة، لم يكن بيتها الأول، في قريتها، يختلف كثيراً عن هذه الخيمة، كان مجرد جذوع نخل مصفوفة في دائرة لا يزيد قطرها عن متر ونصف المتر تسقفها حزم من القش.

كان كوخاً متواضعاً شأنه شأن كل نظرائه في القرية الفقيرة. لكنه كان بيتها الذي آواها وزوجها وطفليها رغم افتقاره لأبسط معايير المأوى الصالح للحياة الآدمية، وكانت تلك قريتها وإن جاعت فيها ومرضت لأيام دون أن تجد ما يسد رمقها أو يهدئ ألمها.

ذلك أنها لم تكن بعد قد حملت صفة أرملة، ذهب زوجها، مع والده، إلى أحد مراكز ميليشيا الحوثي في التحيتا ذات يوم من أيام أكتوبر 2017 وهما في كامل صحتهما، وعندما عادا إلى البيت مساء لم يكونا يستقلان دراجتهما النارية مثلما ذهبا في الصباح، بل كانا محمولين على أعناق رجال القرية.

من مفقود واحد إلى ثلاثة..

كان يحيى عبدالله (زوج فتحية) يعمل صياداً في البحر بالأجرة اليومية وحين أصيب بمرض تكسر الدم لم يستطع مواصلة مهنته وعجز عن تحمل مشقة العمل في الصيد فاشترى دراجة نارية للعمل عليها كسائق أجرة ومع اشتداد المواجهات بين المقاومة المشتركة والحوثيين واقتراب المقاومة من تحرير التحيتا بدأت الميليشيا الحوثية بحملة اختطافات طالت الكثير من المواطنين .

وكان من بين المختطفين الأخ الشقيق ليحيى والوحيد الذي يعينه على العمل ويهتم به عندما يشتد عليه المرض.

وبعد مضي شهر على اعتقاله بلا ذنب، قرر يحيى البحث عن شقيقه في سجون الحوثيين فتوجه أولاً إلى مركز مديرية التحيتا واصطحب معه والده ظناً منه أن عناصر الميليشيا سيشفقون عليه لكبر سنه ويطلقون سراح ولده لكن شيئاً من ذلك لم يحدث بل تعرضا للتهديد بالاعتقال وحين يئسا وقررا العودة للبيت لم يسمح لهما عناصر الميليشيا بالعودة من ذات الطريق التي قدموا منها وأجبروهما على العبور بدراجتهما من وسط حقل ألغام كانت ميليشيا الحوثي قد زرعته في وقت سابق ولم يكن يحيى ووالده على علم بذلك وما هي إلا عدة أمتار اجتازتها الدراجة حتى قذفها لغم أرضي مع راكبيها ليفارقا الحياة على الفور.

ليلة رعب..

«لم أواجه في حياتي ما هو أكثر رعباً من تلك اللحظة»، بهذا المشهد المؤلم تبدأ فتحية سرد قصتها لـ «البيان»، فتخنقها العبرات وتقطع حديثها كلما عادت بها الذاكرة إلى الوراء، إلى ليلة فجيعتها بزوجها ووالده .

حيث كانت تستعد لتجهيز العشاء لطفليها قبل الغروب عندما لمحت أسفل الطريق مجموعة رجال يتهادون نحو القرية بحمل ثقيل، وقد تأكد لها أنهم يحملون جنازتين، لكنها خمنت أنهما لرجلين آخرين من القرية، فقد انتشر الموت في كل مكان منذ حلول الميليشيا بالمنطقة. وقفت مع طفليها تتأمل المشيعين القادمين وتمعن النظر علها تجد زوجها أو والده بينهم

«لا بد أنهما سيركنان الدراجة بأي مكان ليشاركا في الجنازة» هكذا كانت تحدث نفسها، بينما خفقان قلبها المتسارع يقول عكس ذلك.

اقتربت الجنازة أكثر حتى تبين لها كل شخص فيها، ومع ذلك كان ثمة أمل أخير يراودها وهو أن يتخطى المشيعون بيتها إلى بيت آخر في القرية، وعندما توقفوا بساحة كوخها وأنزلوا حملهم، توقف خفقانها للحظة وانهارت على الأرض غائبة عن الوعي.

تواصل حديثها لـ«البيان»: أفقت على صراخ طفليّ وأذرع نساء القرية تحملني والجميع يواسيني، كانت الجنازتان مسجاتين على فراش واحد، مشوهتان ومغسولتان بالدماء حتى بالكاد تعرفت على وجه زوجي، وكان جسد والده شبه محترق، وكلما أعدت النظر اليهما وهما بتلك الحالة يغمى عليّ من جديد، وما زلت أعاني من أثار الجريمة، فقد تسببت لي بعقد نفسية ويأس من الحياة.

تهجير

انتهى الأهالي من دفن الرجلين وعادوا من المقبرة لأداء واجب العزاء لكن الميليشيا كانت قد سبقتهم إلى القرية إذ كانت أطقمها العسكرية ومسلحيها يدورون حول البيوت مطالبين السكان بمغادرتها، ولم يكن أمامهم إلا تنفيذ الأوامر.