«ساحة رياض الصلح» وسط بيروت، لم تكن مكاناً لتجمع متظاهرين غاضبين وحاملين لمطالب يحركها الإحباط من فساد الطبقة الحاكمة،.

وانسداد الأفق أمام الشباب، غير أنها كانت مسرحاً مشهدياً، جسد أحلام وطموحات الشعب اللبناني، بل تخطى لك أحلام وتطلعات الشعوب الأخرى، التي استلهم اللبنانيون منهم ومن مسيرتهم في الحياة معاني النضال والثبات من أجل القضية، وفي مقدمة تلك الشعوب الشعب الفلسطيني.

سيدة مسنة لم تمنعها الأسلاك الشائكة من التقدم باتجاه الضابط المكلف بمهمة الفصل بين المتظاهرين والسراي الحكومي، والتعبير له عن مضامين مشاركتها في الثورة ضد السلطة في بلادها، مستلهمة النموذج الفلسطيني في مفهوم التضحية من أجل الوطن: «روح شوف الفلسطينيين كيف.. شجرة زيتون، بيموتوا كرمالها.. نحنا وطن وأرض، إذا ما عندك أرض ما عندك وطن»، يقبلها الضابط على رأسها، قبل أن تكمل التلويح بالعصا التي في يديها وتردد مع المتظاهرين: «ضرْب الخناجر ولا حكم النذل بيا».

وهناك، في «ساحة النور» في طرابلس، رفع المتظاهرون أعلام فلسطين، هتفوا لها «فلسطين، نحنا معاكي حتى الموت»، ورددوا نشيدها الأول «موطني»، معاهدين أن «الشباب لن يكل. همه أن يستقل، أو يبيد».. وعلى وقع أغنية فلسطين التراثية «عللي الكوفية عللي ولولِح فيها.. غني عتابا وميجانا وسامِر فيها»، عُقِدت حلقات الدبْكة، ورُفِعت اليافطات المتضامنة مع من هم هناك.

حيث الأزقة الضيقة المعتمة، وذلك، بدءاً من «مخيم البداوي» (1955) الأقرب إلى طرابلس، وصولاً إلى «مخيم الرشيدية» (1939) الأقرب إلى فلسطين، و«مخيم برج الشمالي» (صور)، «مخيم البؤس»، مروراً بـ«مخيم عين الحلوة» (1951)، أكبر المخيمات الـ12 وأكثرها بؤساً، باعتباره «عاصمة الشتات الفلسطيني»، أي «عاصمة الهم الفلسطيني»، أولاً.

وباعتباره مصدر قلق وتوتر، ثانياً، ذلك أن الصورة النمطية المرسومة على جبين هذا المخيم تسببت وتتسبب له بمعاناة إضافية، وتصرف الأنظار بشكل شبه تام عن جوهر القضية الإنسانية، التي يمثلها ويعيشها قاطنوه.

وفي المحصلة، سقط جدار عين الحلوة في تلك اللحظات، مع هتاف «عين الحلوة، نحنا معاكي حتى الموت». وصدأت الأسلاك الشائكة حول «المية ومية»، مع هتافات «حيوا فلسطين»، وترداد آخرين «حيوها».. ورحلت مع كل ذلك قوانين الفصل التمييزية، بلافتات كُتب على إحداها: «لا للتضييق على اللاجئين الفلسطينيين.. شعب واحد، قضية واحدة».

هذا على الأقل ما يوحي به حديث الفلسطينيين، ومنهم ربيع الذي يروي قصة حصلت معه عند دخوله إلى الجامعة، إذ سألته إحدى الزميلات عن سبب حمله بطاقة هوية شكلها مختلف، فأجابها: «أنا لست لبنانياً، أنا فلسطيني».

دُهشت عندها الفتاة، وعادت لتسأله، متعاطفة: «لكن كيف تذهب إلى فلسطين وتعود كل يوم إلى الجامعة؟»، ليسخر منها مجيباً: «أزورها بشكل طبيعي، سالكاً طريق الناقورة» (منطقة لبنانية حدودية مع فلسطين المحتلة).

انتماء

«أنا فلسطيني لبناني.. أنا أنتمي لهذا الشارع اللبناني المنتفِض ضد الطائفية.. نعم، أنا فلسطيني لبناني اليوم»، فـ«لبنان لم يُعطِ اللاجئ الفلسطيني هذه الفرصة»، أي إعلان فلسطينيته اللبنانية..

بهذه العبارة عرف فلسطيني الهوية والانتماء عن نفسه، عبر صفحته في «فيسبوك». والواقع أن هذا المنشور يعكس، بوضوح، لسان حال الكثير من الفلسطينيين المنتشرين على امتداد لبنان، في مخيمات هي بمثابة سفارات غير معلنة لوجودهم.

وفي ساحات كأن لها ثوباً خيط على مقاس واحد، أو كأنها تنام وتنهض في ثوبها، لا تبدله خوفاً من أن يضيق عليها أثناء أحلامها، ذلك أن أجمل ما في الثورة اللبنانية أنها استعادت وهج مفردات الثورة، التي كانت تخبو في عثرات طريق الثورات في العالم العربي.

الخيمة، البيارة، المفتاح، الجسر، الصليب، الحجارة، «الأقصى».. وشجرة الزيتون، حيث الثورة تمشي خببا، بعثها منها ومنفاها إليها.. مفردات وُلِدت بالدم رنانة فوق صخور يأسهم، ونمت معانيها بالريشة والكلمة واللحن في مخيلة آمالهم..

وهكذا، لم يعد ماهر كنفاني، كغيره من المقيمين في «عاصمة الشتات الفلسطيني» (مخيم «عين الحلوة»- جنوب لبنان) وفي المخيمات الأخرى، يتردد في القول: «الثورة اللبنانية». ومنهم من يبدو المطلب، بلقمة العيش والكرامة والحقوق الإنسانية، أقرب إلى حناجرهم من مطلب التحرير والعودة، فالبؤس الذي يعيشونه يكاد أن يصنع مسافة بين المطلبين.