دلّت وقائع اليوم التاسع للانتفاضة الشعبيّة في لبنان على أنّها ماضية إلى مزيد من التصعيد، مع إعلان رفضها ما طرحه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، أول من أمس، في رسالته إلى المتظاهرين، الذين تعرّض بعضهم إلى اعتداءات من جهات حزبية، فيما سرت معلومات مفادها وجود سعي حثيث، على مستويات رفيعة، لإعادة تطبيع الأوضاع في البلاد تدريجاً.

بالتزامن مع انطلاق حوار بين السلطة وممثّلي الانتفاضة. وكان رئيس الجمهورية دعا المعتصمين إلى «حوار بنّاء يوصل إلى نتيجة عمليّة، وتحديد الخيارات التي توصلنا إلى أفضل النتائج»، مؤكداً أنّه ينتظرهم للبدء بهذا الحوار.

وغداة الرسالة الرئاسيّة، التي أطلق فيها الرئيس عون 3 مسارات متوازية، إذ أبلغ المتظاهرين علناً أنّه في انتظارهم للحوار معهم عبر ممثلين لهم، وفتح باب إعادة النظر في التركيبة الحكومية، قبل أن يشرح لهم رؤيته للإصلاحات التي يمكن مقاربتها في المديَين القريب والبعيد، ارتفع منسوب الكلام عن بدء العدّ العكسي لإنهاء حال الفوضى التي نتجت من بعض التظاهرات في بعض الأماكن والمناطق.

بحيث سيتمّ فتح كلّ الطرق ليكون الاثنين المقبل يوم عمل طبيعياً في كلّ المؤسّسات الرسمية والخاصة، وفي المصارف والبلد عموماً.

فيما ينتظم الحراك، تظاهرات واعتصامات، في الساحات، وعلمت «البيان» أنّ اجتماعات عدّة تنعقد بين مختلف الأحزاب، لمناقشة ما يحصل واستنباط الحلول للأزمة السائدة. وأشارت المعلومات الأوليّة إلى أنّ «العدّ العكسي للحلّ ولفَتح البلد بدأ، وسيكون المشهد مختلفاً يوم الاثنين المقبل.

إلى ذلك، بدا واضحاً أنّ لغة التخاطب والمقاربات الحوارية بين السلطة والمنتفضين لا تزال منعدمة حتى الآن، بما يعني أنّ المنتفضين لن يتراجعوا قبل تلقّيهم مبادرة سياسية كبيرة وملموسة، بحجم تغيير الحكومة وليس أقلّ من ذلك.

وهذا المسار، بدا كأنّه بات مطروحاً ضمناً في خلفية المشاورات السريّة الجارية بعيداً من الأضواء منذ أيام، وخصوصاً بعدما شكّلت كلمة الرئيس عون إضاءة للإشارة الخضراء أمام انطلاق البحث جدياً في الواقع الحكومي، وترحيب الرئيس سعد الحريري بالموقف الرئاسي، من دون أن يزيد أيّ حرف، ما يعني أنّ الإشارة قد أُعطيت لموضوع التعديل الوزاري.

وهذا يعني انتظار موقف «الرباعي الأساسي» في الحكومة: «حزب الله»، التيار الوطني الحرّ، حركة «أمل» وتيار «المستقبل».

شارعان

وكانت مبادرات السلطة تهاوت، على نحو دراماتيكي، الواحدة تلو الأخرى، وبدا أنّ «انتفاضة 17 أكتوبر» دخلت في منعطف خطير: فإما أن تتحوّل لحظة البحث عن تسوية عند منتصف الطريق، والبداية بوضع حكومي جديد، يبقى عقدته الوزير جبران باسيل، بين أن يرحل أو يبقى، أو الذهاب بعيداً في سياسة العناد، وأخذ الشارع إلى شارعين.

وبعد الاعتراض من قبل «حزب الله» على شعارات الاحتجاجات، انتقل إلى ساحة الرياض الصلح في وسط بيروت، مع شعارات حزبيّة، هتفت ضد المرشد الإيراني الخامنئي و«حزب الله»، وما تردّد عبر مواقع من أنّ قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري اللواء قاسم سليماني جاء إلى لبنان في إطار البحث عن معالجة الوضع المتفاقم.

دعوة «ملتبِسة»

وإذا كانت الإشارة الوحيدة التي ظهرت في مضمون الخطاب الرئاسي، إلى مسألة التغيير الحكومي، متواضعة، عبر الدعوة إلى إعادة النظر بالواقع الحكومي، فإنّ هذه الدعوة جاءت أيضاً ملتبِسة، وتحمل تفسيرين باتجاه:

إمّا التعديل الوزاري، الذي لا يقدّم بطبيعة الحال أيّ حلّ للأزمة، طالما أنّ الوجوه التي ستغيب أو التي ستدخل إلى الحكم ستبقى أسيرة للقيادات السياسية التي تتحكّم بمسار الأمور في لبنان، أو التغيير الحكومي بالكامل، وهو أمر غير متاح، وربما مرفوض من «حزب الله» الذي ينفرد لوحده برفض استقالة الحكومة.

وفي هذا المجال، نقلت أوساط مواكبة لهذا التوجّه الرافض للتغيير الحكومي لـ«البيان» أنّ «حزب الله» يعتبر الوضع الراهن حسّاساً وآفاقه «غامضة جداً». لذلك، هو لا يزال يحاذر الخوض في أيّ تغيير في الحكومة الحالية، على أساس أنّها تشكّل البيئة السياسية الحاضنة للحزب. وبالتالي، لن يخاطر بخسارتها.