تحديات استثنائية تطل برأسها، وتفرض نفسها على ساكن قرطاج الجديد الرئيس قيس سعيد، في مقدمتها كيفية تلبية آمال وتطلعات ناخبيه ممن رأوا فيه منقذاً لبلاد تواجه الكثير من القضايا والملفات الشائكة لا سيما في المجالين الاقتصادي والاجتماعي.
ويرى مراقبون أن سقف تطلعات أنصار قيس سعيد مرتفعة للغاية، لا سيما في ما يتعلق بتحقيق التنمية الشاملة والتوازن الجهوي والمناطقي والعدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد ومواجهة مراكز النفوذ المسيطرة على مقدرات البلاد، والكشف عن طبيعة وحقيقة الثروات الوطنية وتحصينها ومراجعة عقودها واستغلالها، والقضاء على الفقر والبطالة، وتطوير مختلف الخدمات الحياتية الملحة كالصحة والتربية والتعليم، وبناء اقتصاد قوي، وفتح أبواب الأمل أمام الشباب.
ويلفت المراقبون إلى أن سعيد لن يكون في مستوى التحدي الأول، باعتبار أن الدستور يحد من صلاحياته في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، التي هي من صلاحيات الحكومة بالتوافق مع البرلمان، ما يضعه أمام التحدي الثاني، وهو ترشيد خطاب وطموحات أنصاره، ومصارحتهم بالحقائق الغائبة عنهم، بعد أن يكتشفها بنفسه، متسائلين كيف سيفلح سعيد في إقناع أنصاره وهم المندفعون بكل قوة وراء عدد من الشعارات البعيدة نوعاً ما عن أرض الواقع؟ وكيف سيحقق المعادلة الصعبة في الحفاظ على الحزام الشعبي المحيط والتعامل مع تحدّيات الحكم في الوقت نفسه؟
علاقات خارجية
ويكمن التحدّي الثالث الذي سيصطدم به الرئيس المنتخب، في العلاقات الخارجية ذات التأثير البالغ في موقع وواقع البلاد، لاسيما في ظل التحولات الإقليمية والدولية بالغة الدقة، إذ سيجد قيس سعيد، وفق مراقبين، نفسه في قلب المعمعة في ظل ارتفاع أصوات بعض أنصاره بالدعوة لمواقف منحازة إلى الإخوان، وكان واضحاً حجم الحرج الذي واجهه خلال الأيام الماضية، عندما اكتشف أن صفحات في مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل إعلام إخوانية نسبت إليه تدوينات وتغريدات ومواقف لا علم له بها، يصب أغلبها في إطار شعارات المشروع الإخواني.
مشروع جديد
ويلفت المراقبون إلى أن التحدي الرابع في كيفية تنفيذ قيس سعيد مشروعه لتغيير الدستور ومنظومة الحكم، وهل يملك السند البرلماني والحزام السياسي لتحقيق ذلك؟ ويوضح المراقبون أن أبرز ما يطرحه أنصار الرئيس المنتخب هو مشروع تغيير جذري للنظام السياسي يختلف عما ورد في دستور 2014، يتأسس رؤى ثورية راديكالية تبدو أقرب للنظام الشعبي الاشتراكي المحكوم مباشرة من قبل الجماهير عبر إدارة محلية تكون منطلق السلطات المركزية، متجاوزة بذلك دور الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني وآليات السلطة التقليدية، وينطلق من حكم البلاد بواسطة نظام رئاسي تشاركي مع برلمان يتم تصعيده آلياً بواسطة منظومة الحكم المحلي المباشر دون واسطة حزبية، موضحين أن هذا المشروع يحتاج إلى انقلاب كامل على النظام القائم حالياً والإطاحة بالدستور، الأمر الذي سيكون مستحيلاً لاعتبارات عدة في مقدمتها الفصل 140 من الدستور، والذي ينص على أن لرئيس الجمهورية أو لثلث أعضاء مجلس نواب الشعب حق المبادرة باقتراح تعديل الدستور، ولمبادرة رئيس الجمهورية أولوية النظر، لكن الفصل 142 يشير إلى أن كل مبادرة لتعديل الدستور تعرض من قبل رئيس مجلس نواب الشعب على المحكمة الدستورية لإبداء الرأي في كونها لا تتعلق بما لا يجوز تعديله حسبما هو مقرر بهذا الدستور، ينظر مجلس نواب الشعب في مبادرة التعديل للموافقة بالأغلبية المطلقة على مبدأ التعديل، ومع مراعاة مقتضيات الفصل 141، يتم تعديل الدستور بموافقة ثلثي أعضاء مجلس نواب الشعب.
ويتساءل المراقبون، عن كيف سيتعامل قيس سعيد مع التحدّي الخامس المتمثّل فيما إذا تحرّك أنصاره في الشارع لفرض مواقفهم ورؤاهم، وهل باستطاعته كبح جماح تطلعاتهم، التي سترتطم لا محالة بجدار الواقع؟
