لكون الفنّ يرتبط عنده ارتباطاً عضوياً بأشياء العالم، في تعدّدها وتنوّعها، أو بما اصطلح نقّاد الفن على تسميته بالواقع، يواصل الفنّان التشكيلي اللبناني، جميل ملاعب، رهانه على طاقة التأمّل والحنين لترجمة أسئلته الوجوديّة والفنيّة. وذلك، عبر استكمال رحلة توغّله في استقصاء الحياة اليومية، بتفاصيلها ودقائقها.
هكذا، وفي أشدّ لحظات لبنان «استثنائيةً»، على صعيد التحرّكات المطلبيّة، قرّر هذا الملوِّن البارع، الذي تنوّعت أعماله بين مختلف المدارس، أن يعبّر عمّا يجري على الأرض. وعبر حسابه على «فيسبوك»، نشر جميل ملاعب (1948) لوحةً من دون عنوان وتفاصيل، أرفقها بهاشتاغ #لبنان_ينتفض، قبل أن يفرج عن لوحة أخرى، أطلق عليها اسم «ثورة لبنان!»، ليصوّر انتفاضة بلاده، من طرابلس إلى صور، مروراً بجبيل وبيروت وصيدا، ومشهد جامع يغصّ بالأعلام اللبنانية التي تملأ الساحات. وذلك، في سياق حكايات يوميّة يرويها ملاعب، فينقل الرائي من الواقع إلى الواقع، بلغة الزمن الماضي الممسك بالحاضر، المتأثر فنيّاً بالمحيط الطبيعي الغنيّ بالألوان والأحجام والأشكال والضوء والعتمة، عدا عن الظلّ والمساحة القادرة على بناء مشهد حياتيّ.
وإذا كان اللعب بالريشة هو أسلوب حياة بالنسبة لهذا الفنان، الذي يرسم كلّ شيء، وفي أيّ وقت، معبّراً عن يوميّاته، فإنّ لوحة «ثورة لبنان»، هي محاولة لـ «تسجيل الأمل والفرح في وطن يحضنني وأحضنه، والسلام على اللون والشكل، وعلى زمن أعبر منه إلى لوحة أرجو أن تكون مرآتي ومحطة لحياتي العابرة»، وفق تعبيره. هكذا، ومن خلال لوحتَيه اللتين تستوحيان مشهديّة الانتفاضة، يبدو الواقع عنده، كمثل عتبة للدخول إلى عوالم المخيّلة والحدوس والرؤى، إضافة إلى آفاق للتاريخ والماضي والأساطير والذكريات والتقاليد التي تواكب هذه العوالم، وهو المؤمن بنظرية أفلاطون في الفنّ: «في الفنّ لا معرفة، هناك شيء أكبر، هو الذاكرة».
