دقائق معدودة، وتستحيل بعض الساحات في لبنان إلى مساحة لعرس وطنيّ مطلق.. تُضاء فيه الهواتف كالشموع، تعلو الأصوات وتُرفع الأيادي والأعلام اللبنانية، والكلّ يردّد بصوتٍ صارخٍ: «ثورة.. ثورة».. وإذا جاع أحدهم، لا مشكلة، فالحلّ بـ«عرنوس ذرة» أو صحن «فول وترمس»، أو «سندويش فلافل» أو «قطعة شوكولا»، فالأهمّ هو البقاء على الأرض وعدم ترْك الساحة.

هي ساحات تتّسع للجميع: لباعة الكعك والفول ولصانعي الحلوى والحليّ، للرسّامين والحرفيّين، لمعدّي «كوتيون الثورة»، من أقنعة وطرابيش وزمامير وأقلام تلوين وإكسسوارات متنوّعة، ولبائعي «الأركيلة الديليفري» للمتظاهرين، ولفنّان منكبّ على رسم لوحات تجسّد بيروت كما يتمنّاها، ليبيعها للمعتصمين بأسعار رمزيّة.. تماماً كما اتّسعت لمحلات الإطارات المطاطيّة، لا سيّما المستعملة منها.

والتي تسجّل أعلى نسبة مبيعات في هكذا مواسم، إذ من بين المشاهد المتعدّدة في انتفاضة الساحات الممتدة المترابطة على امتداد الـ10452 كلم2، برز مشهد الإطارات المشتعلة، الذي تراوح ما بين حدَّي الإعتراض حيناً والاستعراض أحياناً.

هكذا، وفي أشدّ لحظات لبنان «استثنائيةً» على صعيد التحرّكات المطلبيّة، تتخطّى الشموعٌ أهدافها الدينيّة ومعانيها الرومانسيّة، لتُضاء باستمرار في ساحات الاعتصام والتظاهر..

يتهافت المعتصمون على شرائها، نظراً لأسعارها المنخفضة نسبياً من جهة، ولإبرازها بالألوان المعتمدة (الأبيض والأحمر والأخضر)، تأكيداً لـ«لبنانيّة» مواقفهم، تكرّ سبّحة المشاهد، خلال التحرّكات الاحتجاجيّة المستمرّة في لبنان ضدّ الطبقة الحاكمة، والتي تتّسم بطابعها الكرنفالي، كما لو أنّها حدث سينمائي في الهواء الطلق، بدءاً من تلاقي المتظاهرين حول عربات المأكولات والمشروبات.

وصناديق الكتب والمجلات والأسطوانات، بسطات الأعلام والشموع والأقنعة والزمامير، وغيرها الكثير.. وكلُّ ينادي على بضاعته، فيما الشارع يغلي بأغنيات الشيخ إمام (1918-1995) الخارجة من رحم الشارع، و«إنّك لبناني» لعاصي الحلّاني، التي تخلو من الثورة وتحمل في طيّاتها معاني الفخر بالهوية اللبنانية.

في هذه الساحات، ازدهر موسم بيع الفول والفلافل و«عرانيس الذرة» والترمس، وحضرت مناقل الفحم لتسخين الكعك الرخيص بالجبن العكّاوي الذي يباع عادةً في ملاعب كرة القدم أو في الأسواق الشعبية على أطراف المدينة. وكلّ ذلك بأسعار رخيصة، لا بل رمزيّة.

زيّن الناس وجوههم برسومات الأمل والفرح، رقصوا وغنّوا ودبكوا في ساحتهم العامة. وكلّ هذا حصل على تخوم الأسلاك الشائكة التي تفصل ساحة رياض الصلح عن مقرَّي البرلمان ورئاسة مجلس الوزراء وسائر الأسواق الفخمة في وسط بيروت.

وبين «زمّر زمّر يا زمّور» و«اسحب لوتو يا حبّوب»، لا يخفي «أبو فؤاد» فرحته بما يحقّقه يومياً من أرباح خلال أيام «الثورة». يبيع العشرات من الأكياس المعبّأة بالزمامير و«الماسكات» والطرابيش الملوّنة والمنوّعة التي يصنعها بنفسه.

مع ذلك، يدرك الرجل أنّ ما يبيعه في هذا «الموسم» لا يجعله يحقق ثروة «بسْ أحلى من غير إيّام، و3000 ليرة (ثمن كيس الكوتيون) بالجيبة أحسن من 100 ألف بالخيال». ومن حين إلى آخر، يعود إلى زمّوره وأغنيته المعتادة:

«واحد، تنين، تلاتة، الشعب اللبناني يا حياتي». يصدح صوت أبو فؤاد«، فيلاقيه جاره عادل بأغنية مهداة إلى السياسيّين»وإجت العشرين- عشرة والله يرحم اللي مضى، والله يعينّا من اللي جاي«، وهو منهمك ببيع»أعلام الوطن.. بس، مش أعلام الأحزاب«، و»الموسم بيجنّن.. ونشالله يضلّوا الشباب بالساحات ع طول"!