لليوم الثالث على التوالي استمرّت التحرّكات الشعبيّة في لبنان، في حين تعذّر تقدير المدى الذي سيبلغه فتيل الشارع الذي قرّر أن يستمرّ في توجيه صرخته في وجه السلطة على كلّ مستوياتها.

أما الجواب، فسيكون الساعة السابعة من مساء الغد، موعد انتهاء المهلة التي أعطاها رئيس الحكومة سعد الحريري لنفسه، ليتخذ قراره الذي كان سيتخذه، مساء أول من أمس، لكنّه آثر إرجاءه: قراره الاستقالة، بحسب ما تردّد، لكنّ هذه الورقة تركها في جيبه إلى السابعة من مساء الغد، فإمّا يسحبها من جيبه ويرميها في وجه الجميع، وتكون الخاتمة بتلاوتها في قصر بعبدا، وإمّا تنجح الاتصالات في ثنيه عن إعلانها والاتجاه إلى ترميم الحكومة.

إلى ذلك، كشف الحراك بشكل صريح عن تصدّعات عميقة في جسم السلطة، ومعركة مفتوحة على خطوط عدّة: ما بين «التيار الوطني الحرّ» و«القوّات اللبنانية»، ما بين «التيار الوطني الحرّ» و«الحزب التقدّمي الاشتراكي»، وهناك علاقة محتقنة ما بين «القوّات» و«حزب الله»، وما بين الحزب ورئيس الحكومة سعد الحريري، وعلاقة تصعد حيناً وتهبط أحياناً كثيرة، كما هو الحال هذه الأيام بين «التيار الوطني الحرّ» ورئيس الحكومة، ما يعني، بحسب مصادر مراقبة، أنّ وضع الحكومة، مع استقالة محتملة أو من دونها، لا يُبشّر بالخير.

ومهلة الحريري لـ«شركائه» في السلطة، من أجل اجتراح الحلّ، اكتسبت، بحسب المراقبين، طابعاً مصيرياً، إذ يتوقف عليها واقعياً استشراف الوجهة التي سيسلكها لبنان، وسط عصف التحرّك الشعبي الاحتجاجي الهائل.

وفي تقدير مصادر سياسية، فإنّ جزءاً كبيراً من رسالة الحريري كانت موجّهة إلى شركائه في التسوية وفي الحكم، ولا سيّما للرئيس العماد ميشال عون ورئيس «التيار الوطني الحرّ» جبران باسيل، و«حزب الله» الشريك الثالث الخفيّ في التسوية السياسية.

وفي الانتظار، تجدر الإشارة إلى أنّ الأخطر في انتفاضة اليوم الثالث هو رفض المتظاهرين مهلة الحريري، وإلا سيكون له كلام آخر، فأصرّوا على البقاء في الساحات، ما أبقى المشهد «مهتزّاً»، بفِعل الغضب الشعبي الذي تدحرج إلى مختلف شوارع بيروت وضواحيها ومعظم المناطق، في حين تخوّفت مصادر مطلعة من دخول لبنان في الفوضى، إزاء مأزق بقاء الحكومة أو استقالتها، تاركةً البلد معلّقاً بلا حلول لأزماته المتفاقمة.

الشرارة والواقع

وكان قرار فرض رسْم على «واتساب» بمثابة الشرارة التي أشعلت الاحتجاجات على كلّ السياسات الحكومية. «طار» القرار، أول من أمس، لكنّ الاحتجاجات تمدّدت، وكرة الاعتراض كبرت، لتهدّد مستقبل الحكومة أكثر من أيّ وقت مضى، ولتكشف أنّ القوى السياسية لم تعد قادرة على ضبط «شوارعها».

وإذ تدحرجت كرة الاحتجاجات، فقد كان لافتاً أنّ بعض أفرقاء «التضامن الوزاري» المزعوم عمدوا إلى فرْط عقده والتسابق إلى القفز من المركب الحكومي، ليركبوا موجة الاحتجاجات والتنصّل من تبعات غضب الناس.

وهكذا، باتت حكومة الحريري قابعة بين فكَّي كمّاشة الضغط الدولي، الذي يطالبها بإصلاحات تعجز حتى الساعة عن تنفيذها لاعتبارات يتداخل فيها الحزبي بالسياسي بالمصالح الفئوية، والنقمة الشعبية العارمة المتّجهة على ما يبدو نحو خطوات تصعيديّة عبر وسائل أخرى غير الشارع، حيث يتمّ عبر وسائل التواصل الاجتماعي تداول دعوات للعصيان المدني في 28 من الجاري.