قلب الرئيس التونسي المنتخب قيس سعيد كل معطيات العمل السياسي في بلاده منذ العام 2011، وأطاح بجميع الأحزاب ومن ورائها مفهوم العمل الحزبي بشكل غير مسبوق، ووضع مختلف القوى العقائدية والسياسية في موقف صعب.
فأستاذ القانون الدستوري الذي لم يسبق له أن انضم إلى حزب أو تحمّل مسؤولية سياسية، تحوّل إلى ظاهرة شعبية قفزت فوق كل حسابات الأحزاب السياسية التي كانت تتسابق لإعلان دعمها إياه، وهو الدعم الذي كان سيصل إلى سدة الرئاسة في قصر قرطاج به أو بدونه.
ملاحظات
أول ملاحظة يمكن التوقف عندها أن الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية الذي انتظم الأحد الماضي شهد نسبة إقبال على صناديق الاقتراع بلغت نسبة 55%، مقابل 41% في الدور الأول، و47% بالنسبة للانتخابات التشريعية.
وثاني ملاحظة أن الأحزاب السياسية التي تشكّل البرلمان الجديد مجتمعة لم تحصل على ما حصل عليه الرئيس الجديد في الدور الثاني للرئاسيات، وهو المستقل الذي يحمل معه بيان عمل يهمّش الأحزاب ويرى فيه حجر عثرة أمام مشروع الديمقراطية المباشرة التي يؤمن بها، فحركة النهضة مثلاً، وهي التي أعلنت دعمها لقيس سعيد لم تحصد في الانتخابات التشريعية سوى على 561 ألف صوت.
بينما لم يصوّت لمرشحها للرئاسيات عبدالفتاح مورو سوى 434.500 ناخب، وبذلك فإن معدل خزانها الانتخابي العقائدي يبقى في متوسط 500 ألف ناخب تقريباً، وفق ما سبق أن أظهرته الانتخابات البلدية في مايو 2018.
وأما عن بقية داعمي قيس سعيد من قوى البرلمان الجديد، فهي تتكون إلى جانب النهضة من حزب التيّار الديمقراطي الذي حصل في التشريعيات على 167.054 صوتاً.
وفي الرئاسيات لم يتجاوز مرشحه محمد عبو 122.287 صوتاً، ثم ائتلاف الكرامة الذي حصل في التشريعيات 188.845 صوتاً مقابل 147.351 لمرشحه في الرئاسيات سيف الدين مخلوف، ثم حركة الشعب ذات المرجعية القومية العربية والتي بلغ عدد المصوتين لها في التشريعيات 92.047 صوتاً، مقابل 239.951 لمرشحها في الرئاسيات الصافي سعيد.
خارطة
فإذا جمعنا أصوات تلك القوى الحزبية سنجد أنها لا تتجاوز المليون صوت إلا بقليل، في حين أن عدد مَن صوّتوا لقيس سعيد يبلغ مليونين و777 ألفاً و391 صوتاً، بما يعيد تشكيل الخارطة السياسية على نحو مخالف للحضور الحزبي والبرلماني، وهو ما جعل الأحزاب السياسية في ورطة حقيقية لم تحسب لها حساباً.
لقد تبين أن قيس سعيد شخصية عابرة للأحزاب، وبالتالي لا يمكن أن تحسب على أي طرف حزبي، كما أنه عابر للأيديولوجيات والأفكار، حيث حصل على أصوات من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار مروراً بالتيارات الوسطية، ومن القوميين والشيوعيين والإخوان والحداثيين والليبيراليين والعلمانيين.
وكان الالتفاف حوله بمثابة الإدانة للنخبة السياسية الحاكمة منذ 2011 وبحثاً عن أمل أخير في ظل الواقع المتردي اقتصادياً واجتماعياً، خصوصاً أن الشعار الذي كان يرفعه هو مقاومة الفساد أولاً وأخيراً، بينما لم يعرف عنه أنه قدم خلال حملته الانتخابية بياناً رئاسياً لتغيير نظام ومنظومة الحكم، وهو ما سيكون صعباً بسبب محدودية صلاحيات الرئيس في الدستور الحالي.
وكذلك بسبب استقلاليته وعدم تحكّمه على حزب قوي أو على كتلة نيابية في البرلمان.
